قضايا ودراسات

نظرة مختلفة إلى الديمقراطية

عبد اللطيف الزبيدي
هذه دردشة في نظرة مختلفة إلى الديمقراطية، تعيد النظر في فهم هذا المصطلح اليوناني، الذي ظل معناه اللغويّ بعيداً من مفهومه الاصطلاحي وأشكاله في التطبيق: «وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى».
سوء حظ الديمقراطية هو أنها كانت في أثينا القديمة، تستثني العبيد والنساء والفقراء. عملياً كانت تعني الأوليغارشية (أوليغوس: القلة، آرخو: الحكم)، حين تستبعد الطبقة العاملة والنساء والفقراء، تنحصر السلطة الذكورية في النبلاء والأثرياء. التأصيل اللغويّ للديمقراطية هو «ديموس» (التراب السيادي ومن ثم مجموع السكان أي الشعب) و«كراتوس» (الحكم). هكذا يكون التطبيق لدى اليونانيين هو الأوليغارشية. الأغلبية الغالبة للأنظمة طوال التاريخ إلى يومنا، اكتشفت أن التطبيق الأخير«طعمه أطيب». حتى المتنبي الذي لم يفرح بالوصول إلى السلطة قال: «ولست أبالي عند إدراكيَ العلا.. أكان تراثاً ما تناولتُ أم كسباً… ومن تكن الأسْدُ الضواري جدوده.. يكنْ ليله صبحاً ومطعمه غصباً»، وقد ردّ على نفسه: «ما كلّ ما يتمنى المرء يدركهُ!»
الآن: ما هي الديمقراطية في أرقى قمّة الإيجابيات، وتظل محفوفة بالسلبيات؟ يُذكّر القلم دائماً بأن الإنسان لا يستطيع صنع شيء خارج عن قوانين الطبيعة. الإنسان خاضع، طوعاً أو كرهاً، للفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، وليس في الكون شيء يغرّد خارج سرب هذه القوانين. الديمقراطية في أعدل تطبيقاتها هي التنافسية بلغة الاقتصاد، وهي بالمصطلح غير المستحب: صراع البقاء، البقاء للأقوى.. الديمقراطية هي تهذيب الصراع، نزع أشواكه المؤذية، ونقله إلى مجالات إيجابية، تتجلى فيها الأشكال والمضامين الأفضل. يتغيـّر مظهر النزاع ويبقى أصله الطبيعيّ الذي هو صراع البقاء. الفكرة المجردة هي هي. التنافس الإيجابيّ هو اكتساح الأسواق بالجودة الأعلى، بالسعر الأزهد، بالدواء الأنجع، بالمغريات الغذائية والحاسوبية والفنية الأوسع انتشاراً، ولو كانت غير صحية مادياً أو معنوياً أحياناً. التنافس السلبيّ هو اجتياح الأسواق الخاصة بأسلحة أشد فتكاً في سباق التسلح، التفوق في الخطط الجهنمية، ابتكار برامج الاستغباء للاستعباد وفرض التخلف والحيلولة دون التنمية والاستيلاء على الثروات، بإيجاز ضمان التفوق بمنع ظهور المنافسين. لحسن الحظ الطبيعيّ، ذلك يؤدي إلى ظهور القوى التي تفرض التوازن. طريف أن تطبّق استراتيجيات كتاب «فنّ الحرب» للصينيّ صن تزو في التسويق والعلوم الإداريّة؟.
الديمقراطية فتح أبواب التنافس في الأفكار (حرية التعبير والحياة البرلمانية)، في الاقتصاد(مقاييس الجودة في القطاعين العام والخاص)، في التعليم والبحث العلميّ. ذلك تهذيب لتنافسية الطبيعة (صراع البقاء)، وتحويلها إلى تنافسية إنسانية إبداعية.
لزوم ما يلزم:النتيجة الإشكالية: نجاح الديمقراطية داخل البلدان ليس سهلاً دائماً (خصوصاً لدى النظام العربيّ)، أمّا على الصعيد الدوليّ فالبشرية لا تزال في صراعات الطبيعة.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى