قضايا ودراسات

الخروج البريطاني إلى المجهول

يوشكا فيشر*
تُبرِز السياسة مشاعر قوية في الجميع. ومن الواضح أن حتى البريطانيين، على الرغم مما اشتهروا به من قدرة على رعاية مصالحهم بطريقة رزينة هادئة، ليسوا محصنين. ولعل هذه السمعة مجرد بقية من بقايا الإمبراطورية البريطانية التي زالت منذ أمد بعيد. ومن المؤكد أنها لا تنطبق على المملكة المتحدة في عام 2017.

ولنتأمل هنا القرارات السياسية التي اتخذها البريطانيون خلال العام المنصرم. في يونيو/حزيران الماضي قرروا ولو بهامش ضئيل الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وفي الانتخابات العامة المبكرة التي جرت الشهر الماضي أفرزوا نتيجة عززت الانطباع بأن البرجماتية البريطانية في تراجع.

تشير الانتخابات التي خسر فيها حزب المحافظين أغلبيته ما أسفر عن برلمان معلق، إلى مدى ابتعاد الطبقة السياسية في وستمنستر عن بقية البلاد في الآونة الأخيرة. ويبدو أن المملكة المتحدة تعيش في واقع الأمر ليس أزمة سياسية وأزمة هوية فقط، بل وأزمة ثقة أيضاً بالنخب السياسية والاقتصادية، التي بدأت مع اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
وهذا لن يجعل محادثات الخروج البريطاني الجارية أكثر سهولة. ذلك أن الطرف المناظر للاتحاد الأوروبي في المفاوضات حكومة ضعيفة للغاية، وفي حالة أزمة. ولكن لا يجوز للمفاوضين من جانب الاتحاد الأوروبي أن يغفلوا عن حقيقة مضمونها أن المملكة المتحدة ستظل مهمة لأوروبا خارج الاتحاد الأوروبي. ويتمثل أحد أكبر المخاطر التي تواجه الاتحاد الأوروبي بقدر ما تواجه المملكة المتحدة الآن، في خروج المملكة المتحدة من المفاوضات صفر اليدين، وانتهائها إلى حال أسوأ حتى من الحال التي هي عليها بالفعل.
وربما ينظر مؤرخو المستقبل إلى فترة العامين 2016 و2017 بقدر كبير من الاهتمام. فمن غير المسبوق أن تتخلى أي دولة عن وضع جيوسياسي واقتصادي متميز ببساطة لمجرد أنها تعيش أزمة هوية مطولة. فقبل أن يبدأ الخروج البريطاني كان بوسع المملكة المتحدة أن تلعب بورقة قوية للغاية مع الاتحاد الأوروبي، وبالتالي على الساحة العالمية، خاصة في ضوء علاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة.
الجدير بالذكر مع ذلك أن المملكة المتحدة، بحلول سبعينات القرن العشرين، كان من الواضح أنها فقدت إمبراطوريتها التي ذهب معها نفوذها السياسي؛ وأنها لم تتمكن من عكس تدهورها الاقتصادي إلا بالانضمام إلى الجماعة الأوروبية (سلف الاتحاد الأوروبي) في عام 1973. ومن المؤسف أن البريطانيين نادراً ما يعترفون بهذه الحقيقة. بل إن قطاعا صاخباً من الطبقة السياسية والناخبين في بريطانيا كانوا لفترة طويلة يُحَمِّلون الاتحاد الأوروبي ومؤسساته التي يشترط بعضها تنازل الدول الأعضاء عن جزء من سيادتها المسؤولية عن كل الشرور في هذا العالَم.
ولكن الآن بعد انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، بات من الواضح على نحو متزايد أنها ستتكبد حتماً، خسارة كبيرة على المستويين الاقتصادي والسياسي. ولكن بأي مقابل؟
يطالب أنصار الخروج في المملكة المتحدة بالسيادة، ولكن من دون النظر بروية في العواقب التي قد تترتب على ذلك في عصر العولمة المتطورة، وتكامل الأسواق. ونظراً للحديث المعهود عن تدابير الحماية في خطاب إدارة ترامب، تبدو أهمية الحفاظ على القدرة على الوصول إلى سوق أوروبا الموحدة أكثر شدة من أي وقت مضى.
بيد أن المملكة المتحدة لن تكون الخاسر الوحيد من الخروج البريطاني. فسوف يخسر الاتحاد الأوروبي مركزه بوصفه ثاني أكبر اقتصاد، وضامناً أساسياً للأمن. ولا يملك المرء الآن إلا أن يأمل أن يكون انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً لفرنسا سبباً في التخفيف من حدة الآلام الناجمة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ولحسن الحظ، ربما شكلت الانتخابات الأخيرة في المملكة المتحدة نقطة انطلاق للمفاوضات. ويرى العديد من المراقبين أن النتائج أظهرت أن الناخبين البريطانيين يعارضون «الخروج العسير»، الذي بموجبه تترك المملكة المتحدة السوق المشتركة والاتحاد الجمركي من دون اتفاق بديل، وتعود إلى قواعد منظمة التجارة العالمية.
في حالة الدول، كما هي الحال مع الأفراد، تستمر الحياة بعد الطلاق. وسوف يظل التقارب الجغرافي الوثيق قائماً بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، وبالتالي يظل كل من الطرفين معتمداً على الآخر من الناحية الجيوسياسية. وبالتالي فإن مصلحة الجانبين تملي عليهما عدم إحداث جروح عميقة، أو استفزاز المواجهات، أو إحراج وتهديد الجانب الآخر. وفي المقام الأول من الأهمية، لا ينبغي للقضايا المتعلقة بالأمن المشترك بين كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أن تكون جزءاً من المفاوضات. ويتعين على كل جانب أن يعترف بالاعتماد المتبادل، وأن يكون مستعداً لإظهار كرمه.
من جانبه، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يكون سخياً عندما يتعلق الأمر بالإطار الزمني للانسحاب، والقواعد التنظيمية الجديدة للتجارة، وأي ترتيبات انتقالية ربما تعمل على تخفيف تأثير الانفصال.
* وزير خارجية سابق لألمانيا ونائب لمستشارها في الفترة من 1998 إلى 2005. والمقال ينشر بترتيب مع «بروجيكت سنديكيت»


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى