قضايا ودراسات

شمسيون وكهفيون

وضع جياكومو ليوباردي ( 1798 – 1837) الذي يطلق عليه شاعر إيطاليا ومفكرها الكبير «تاريخ علم الفلك من بداياته إلى عام 1811»، وهو في الخامسة عشرة من عمره، ولم يعش سوى 39 عاماً فقط وضعته على قلتها رقماً متحركاً في الحساب الفكري الثقافي الإيطالي حتى اليوم.. المتنبي أيضاً شاغل الناس إلى اليوم لم يتجاوز الخامسة والأربعين ليموت بعدها على يد قاطع طريق.. ولكن ما اسم قاطع الطريق هذا؟ وإذا عُرف اسمه، فما قيمة «صوت» هذا الاسم إلى جانب أبي الطيب شاعر الغرور والكبرياء من دون استنساخ أو استعارة صورة من أحد.
والكثير من موسيقيي القرن الثامن عشر عاشوا حيوات قصيرة كأعمار الورود أو الفراشات، ولكنهم كانوا وما زالوا في الزمن المادي والمعنوي والنفسي العالمي، أما «رامبو» العقلية الفرنسية الفذة فهو الآخر في عمر الفراشة، وجاء أمل دنقل من الجنوب المصري إلى القاهرة بقميص خفيف على جسده النحيل ولكن ظله كان أشبه بظل واحد من أهرامات مصر مثله مثل عبد الحليم حافظ الذي سكنت البلهارسيا في كبده، ولكنها بقيت في القاع الآدمي المعتم ولم تجرؤ على الوصول إلى دماغه. وعندما شعر الروائي الأردني تيسير سبول أنه «منذ يومه الأول على وجه الأرض لن يحتمل لصوص الأرض قرَّب مسدساً من رأسه وهو في الأربعينات من عمره وضغط على الزناد، سمه انتحاراً، سمه وضعاً بشرياً وجودياً.. كما تريد أنت وكما يريد هو مثله مثل أرنست همنغواي أو خليل حاوي وغيرهما من حملة السلاح الذي لا يوجهونه إلى أعدائهم، كأنهم هم أعداء أنفسهم، في كل الأحوال كانوا تحت الشمس.. «شمسيون».
لا توجد قاعدة زمنية أو مكانية ثابتة في حياة البشر من هذا النوع، فبالمقابل عاش شعراء عرب وغير عرب إلى حد سأم الحياة، وكان سعيد عقل صاحب اللمة البيضاء فوق رأسه مثل عرف الديك قد اقترب من القرن. كما اقتربت صباح التي ظلت صبية ضحوكة ذات ثياب شبابية حتى وهي في الثمانين من الحياة حتى تحولت الحياة إلى خفة وشباب ونحول.
هل هناك ما هو أجمل من نحول السنبلة؟ نعم.. الفراشات، النحل، أشجار السرو مثلاً، الستائر البيضاء أو القرمزية أو البرتقالية، وأيضاً.. النساء، والقصائد، والموسيقى والكتب القصصية الصغيرة مثل قصص محمد طملية، والشعر النحيل الأكثر نحولاً من النثر مثل شعر «الهايكو» الذي يشبه النساء اليابانيات القصيرات ذوات العيون الضيقة.. مثل الخواتم.. أعمار قصيرة لكن حياة طويلة.. وجميلة.
يعمر السنديان والبلوط، لكن قد يصنع من خشب مثل هذه الأشجار التوابيت أو أجسام البواخر الناقلة للأسلحة وبراميل الغازات السامة، ويعمر النخل والزيتون.. الفرق هنا هو الرطب الشهي، والزيت الذي يضيء القنديل.. الأمر كله يتعلق بالإنسان.. البشري الآدمي.
الإنسان وحده من يقرر. قد يعيش في كهف ولكن يحوله إلى منتجع، وكم عمر الكهف؟ إنه الأطول عمراً من الشبابيك والشرفات.. هذه الأماكن الصغيرة القريبة من الشمس، ولكن قلب الكهف قلب معتم مغلق.
تخرج من الكهوف والمغائر والأدغال البشرية والحجرية، أحياناً كائنات لا هي قصيرة ولا طويلة، لا هي قصائدية أناشيدية، ولا هي غنائية بالمرة.
كهفيون دائماً على ثقافة الموت، يأخذون على عاتقهم سرد الكراهية.. وسواء أكانت حيواتهم كالفراشات أو الدببة أو الديناصورات هم دائماً موتى في الحياة.. حتى لو شيدوا دولة في جزيرة.. أو أنها الجزيرة في «الدولة».

يوسف أبولوز
y.abulouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى