قضايا ودراسات

المسافات بمقياس سياسي

خيري منصور
قد تكون المسافة بين عاصمتين ساعة أو بضع ساعات في الطائرة، لكنها لا تقاس بهذا الشكل، لأنها تطول أو تقصر تبعاً لتبدل الظروف، فالمسافة مثلاً بين موسكو وواشنطن طالما قاسها الجنرالات بالصواريخ ومختلف أشكال الأسلحة، وهي مسافة تتقلص عندما تتقاطع المصالح خصوصاً في الشرق الأوسط، الذي ورث الأمريكيون عن مستعمرهم القديم وهو بريطانيا مقولة طالما رددها الكسندر هيج، وهي من يسيطر على هذه المنطقة من العالم يسيطر على الكوكب!
وأذكر أن معلقاً في الإذاعة العبرية في ستينات القرن الماضي قال إن المسافة بين القاهرة وتل أبيب هي ذاتها المسافة بين تل أبيب والقاهرة، سواء قطعها صاروخ أو أي شيء آخر له علاقة بالحرب، واتضح بعد معاهدة كامب ديفيد أن المسافة هي ذاتها. ولكي لا يبدو هذا الكلام أقرب إلى الألغاز فإن ما أراده المذيع العبري من تعليقه هو الرد على تهديد لأحمد سعيد.
والمثال الأقرب إلينا الذي يجزم بنسبية المسافات وخضوعها لحواسيب أخرى، هو أن أقل من خمسين ميلاً هي المسافة بين نقطة على حدود فلسطين وبين القدس لكنها في الواقع أضعاف المسافة بين أي بلد عربي وواشنطن أو حتى القطب المتجمد الشمالي. هكذا أخضعت حتى الفيزياء والجغرافيا للسياسة ومقاييسها بحيث تكون ثنائية القرب والبعد خارج الحسابات المحايدة.
ويروى عن أنشتاين أن جارته العجوز سألته عن معنى النسبية فأراد أن يداعبها فقال لها إنها حين تجلس مع من تحب تمر الساعة كما لو أنها دقيقة والعكس صحيح، وحين شعر أن ما قاله لم يصل إليها ضرب لها مثالاً آخر وهو أنها تنفخ على الحساء الساخن كي يبرد، وفي الوقت نفسه تنفخ على يديها في الجو البارد كي تدفأ قليلا.
فهل هناك في عالم السياسة من يبسط لنا نسبية المسافات بين الدول على طريقة أنشتاين؟Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى