قضايا ودراسات

فقدان الذاكرة التاريخية يهدد الديمقراطية الأوروبية

دييغو روبيو*
دعْم المواطنين الأوروبيّين للقيادة القويّة شبه الاستبدادية، يتنامى في أوروبا حالياً، وفقدان الذاكرة التاريخية يلعب دوراً مهمّاً في ذلك.
قد لا يكون صعود شخصيات مثل دونالد ترامب، ومارين لوبان، ونوربرت هوفر (رئيس حزب الحرية النمساوي)، وغابور فونا (زعيم الحزب الوطني المجري)، سوى الجزء الطافي من جبل الجليد. فدعْم المواطنين القيادة القوية، شبه الاستبدادية يتنامى في اوروبا، وفقدان الذاكرة التاريخية يلعب دوراً مهمّاً في ذلك.
وَجَدت دراسة حديثة أجرتها جامعة لايبزغ أن واحداً من كل عشرة ألمان (10.6%) يرغب في أن يقود بلادَه «فوهرر يَحكم بقبضة من حديد من أجل الرخاء المشترك». وبالمثل، يفضل 61% من النمساويين تأييد «قائد قوي لا يُضطر إلى القلق بشأن البرلمان أو الانتخابات»، ويذكر 40% من الفرنسيين أن بلادهم يجب أن توضع بين يديْ «حكومة استبدادية» منعتقة من القيود الديمقراطية. كما ينتعش حنين دكتاتوري مماثل في البلدان الشيوعية السابقة. تقول غالبية الروس (52%) إن ستالين لعب دوراً إيجابياً في بلادهم؛ ويعتقد 81% من الصّرب أن حياتهم كانت أفضل مع «تيتو»؛ ويدّعي 66% من الرومانيين أنهم كانوا سيصوّتون لصالح تشاوشيسكو في انتخابات رئاسية، وذلك عدد يمثل زيادة بنسبة 25% عن عام 2011.
كان يمكن أن تكون هذه البيانات بمثابة نوادر، لو لم تكن تعكس اتجاهاً أوسع نطاقاً، نحو الازدراء المتنامي للديمقراطية، وازدياد الرغبة في العودة إلى نماذج في الحكم أكثر دكتاتورية. فعلى مدى العقدين الماضييْن، ازدادت حصة التصويت لأحزاب برلمانية استبدادية شعبوية في أوروبا بنسبة 50%، بينما شهد عدد الناس الذين يعتبرون أن «من الأساسي» العيش في دولة ديمقراطية، انحداراً شديداً، وهو يشكل اليوم 32% بين مَن وُلدوا بعد عام 1980 وفقاً ل«مسح القيم العالمية».
وأشار المحللون إلى نقاط عديدة لشرح هذا الاتجاه، مثل فقدان الجمهور الثقة في المؤسسات السياسية بعد سياسات التقشف، وردة الفعل العنيفة ضدّ التغيرات في القيم الاجتماعية. ولكن التركيبة السكانية والتسلسل الزمني للظاهرة (بدأت قبل عشرين عاماً، قبل أزمة 2008 المالية بوقت طويل) يوحيان بأن هنالك دافعاً هيكلياً واحداً آخر على الأقل، له علاقة بالأمر، وهو فقدان الذاكرة التاريخية.
الغالبية العظمى من الناس الذين يعيشون في أوروبا اليوم، لم يكونوا قد وُلدوا عندما بلغت دكتاتوريات القرن العشرين أوْجَها، أو كانوا أصغر من أن يدركوا مشاكلها وتناقضاتها العديدة. وهذا الفقدان المتكرر للذاكرة، هو بطبيعة الحال مشكلة عامة بين المجتمعات البشرية. ولمحاربته، طوّر الإغريق القدامى أداة ذكية قبل 2500 عام: هي التاريخ. ولكن العديد من الناخبين والقادة في القرن الواحد والعشرين، يظنون أن دراسة الماضي في عالمنا المتطور تكنولوجياً، والمتغير بسرعة، ليست بذات أهمية. والتاريخ الذي كان ذات يوم محور التربية الإنسانية، يمثل اليوم أقل من 4% من مجموع التعليم الإلزامي في التعليم الابتدائي والثانوي الأدنى، وليس إلزامياً للطلاب بعد سن 16 عاماً في أيٍّ من بلدان الاتحاد الأوروبي تقريباً.
وآثار هذا التغاضي عن الماضي، بادية للعيان بالفعل. ووفقاً لدراسة أجرتها جامعة برلين الحرة، فإن نصف المراهقين الألمان، «لا يعرفون أن هتلر كان دكتاتوراً»، وأن ثلثهم يعتقدون بأنه كان نصيراً لحقوق الإنسان. ولم يستطع ربع تلاميذ المدارس البريطانيين أن يقولوا ما هو «اوشفتز» (معسكر الإبادة النازي). و55% من المعلمين المتدربين، الذي يدرُسون في مدريد لا يستطيعون شرح أهمية قصف الجورنيكا. (البلدة في شمالي إسبانيا التي دمرتها القاذفات الألمانية عام 1937، أثناء الحرب الأهلية الإسبانية).
وهذا يتجاوز الشعور العادي بالحرج. فإذا كان الناس لا يعرفون هذه الحقائق الأساسية، فمن الإنصاف الاعتقاد بأنهم يعرفون أقلّ حتى، عن المثالب العديدة لهذه الدكتاتوريات، مثل عمليات القمع الوحشي، والانتهاكات المستمرة للكرامة والحقوق المدنية، وتهميش الأقليات، ومستويات الفساد والمحسوبية المرتفعة. ومعظم الشبان والكبار في هذه الأيام، لا يعرفون حقاً ما يعنيه العيش في ظل دكتاتورية.
والأنظمة الاستبدادية القديمة، بالنسبة إليهم، ما هي إلاّ بدائل للوضع الراهن، ورموز لماضٍ مختلف- وهو لدى البعض أفضل. وهذا التشوّش في فهم التاريخ يقوّض دعم الديمقراطية ويزيد التوق إلى «قادة أقوياء» يريدون الحد من حكم القانون وتقويض الفصل بين السلطات في بلدانهم.
فماذا يستطيع الديمقراطيون أن يفعلوا لوقف هذا الاتجاه المثير للقلق؟ الحل، كما هو في كثير من الأحيان، يعتمد على مدارسنا. فالأبحاث تشير إلى أنه بينما لا توجد دائماً علاقة متبادلة بين مستوى التعليم في بلدٍ ما، وبين دعمه للديمقراطية، فإن هنالك علاقة واضحة بين التعليم ورفضه للأنظمة والقيم الديكتاتورية.
*مؤرخ تطبيقي، و باحث في جامعة إكسفورد. موقع: مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى