قضايا ودراسات

لعبة الدومينو في بحر الصين

الحسين الزاوي
يرى الكثير من المراقبين أن هناك أشياء كثيرة على مستوى السياسة الدولية يجري التحضير لها في شبه الجزيرة الكورية ومنطقة بحر الصين، لاسيما بعد قيام كوريا الشمالية بإطلاق صاروخ عابر للقارات هو الأول من نوعه بالنسبة لترسانتها العسكرية، قادر على أن يصل إلى الأراضي الأمريكية؛ وذلك في الفترة نفسها التي نددت فيها بكين بإقدام قطع من الأسطول الأمريكي باختراق حدودها البحرية في منطقة بحر الصين الجنوبي.
وتتزامن هذه التطورات المتلاحقة مع خطوات تصعيدية كثيرة على المستويات الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية، بالشكل الذي بات يطرح تساؤلات جدية بشأن مستقبل العلاقات الدولية بين القوى الكبرى في هذه المرحلة الحساسة التي يشهد فيها الاستقرار والسلم العالميان تحديات كبرى.
ونستطيع تشبيه ما يحدث من تحركات على مستوى الخريطة الدولية بلعبة دومينو لها وجهان مختلفان، الوجه الأول صيني يتعلق بلعبة الدومينو الأصلية نفسها التي طوّر قواعدها الصينيون القدماء، أما الثاني فيتعلق بالتطبيق السياسي للعبة الذي جرت بلورته في سياق نظرية أمريكية للدومينو في مرحلة الحرب الباردة، عندما كانت واشنطن تتحدث عن هذه النظرية من أجل تبرير تدخلها في مناطق عديدة من العالم لاسيما في آسيا، من أجل وقف التمدد الشيوعي في العالم من منطلق ادعائها أن سقوط دولة جديدة في أحضان الشيوعية يعني بالضرورة سقوط باقي الدول المجاورة لها. كما جرى التوظيف الأمريكي للنظرية نفسها على مستوى الأحداث التي شهدها الوطن العربي بداية من احتلال العراق عندما أراد المحافظون الجدد تعميم «المسار الديمقراطي» المزعوم في العراق، على كل الدول المجاورة من أجل القضاء على ما يصفونه بالاستبداد الشرقي؛ والشيء نفسه يمكن أن يقال عمّا سمِّي ب«الربيع العربي»، الذي كان ينتظر منه أن يؤثر في كل بلدان المنطقة تيمناً بالتجربة التونسية، بيد أن أحداث هذا «الربيع» وعوض أن تفرز مزيداً من الديمقراطية والتعددية، فإنها خلقت فوضى عارمة، وساهمت في قيام دول فاشلة، وفي نشوء كيانات افتراضية شرقاً وغرباً.
وعليه فإنه وفي اللحظة التي تعمل واشنطن على خلط أوراق نظرية الدومينو في بحر الصين من أجل تحميل بكين ومعها موسكو تبعات التصعيد العسكري الذي تقوم به كوريا الشمالية، فإن القيادة الصينية تحاول أن تعيد إلى لعبة الدومينو قواعدها الأصلية، وتطمح إلى استثمار كل قطع اللعبة الموجودة بحوزتها من أجل أن تخرج منتصرة في النهاية وبأقل الخسائر الممكنة؛ لأنها تعلم جيداً أن الاستفزازات الأمريكية لا تهدف فقط إلى محاصرتها في مجالها الجيواستراتيجي الذي يمثل الرهان الأكبر بالنسبة لمجمل القوى العالمية الكبرى في المرحلة الراهنة، لكنها تسعى في اللحظة نفسها إلى حرمانها من المزايا والمكاسب التي ما فتئت تحصل عليها من مسار العولمة الذي بدأ يفقد صبغته الأمريكية ويتوشح بألوان آسيوية زاهية، الأمر الذي دفع مؤخراً إدارة ترامب إلى البحث عن آليات حمائية للدفاع عن اقتصادها الذي بات يعرف تراجعاً غير مسبوق من حيث قدراته التنافسية على مستوى الأسواق العالمية الكبرى.
ويمكننا القول في السياق نفسه، إن قيام قوات البحرية الأمريكية من الاقتراب من السواحل الصينية للمرة الثانية منذ تولي ترامب لمنصب الرئاسة، يشير إلى أن واشنطن ما تزال متمسّكة بما تصفه «حرية الملاحة الدولية» في هذه المنطقة، وهي المقاربة نفسها التي عملت الإدارة الأمريكية السابقة على الدفاع عنها في مناسبات عديدة؛ حيث تدعي واشنطن أن الصين تحتل أرخبيل باراسيل وعدداً من الجزر الصغيرة والشعاب المرجانية في أرخبيل سبراثلي الذي بنت فيه بكين جزراً صناعية قادرة على استقبال قواعد عسكرية، كما سمحت تلك الجزر في الآن نفسه بتوسيع حدود المياه الإقليمية الخاضعة للسيادة الصينية؛ وبالتالي فإنه وفي اللحظة التي تعمل فيها بكين على دعم قطع الدومينو المتوافرة لديها لتحقيق الانتصار في هذه الرقعة الآسيوية البالغة الأهمية، فإن واشنطن تسعى بكل قوة إلى حرمانها من بعض هذه القطع لتأخير الانتصار وإفساد اللعبة برمتها إذا تطلب الأمر ذلك.
هناك في كل الأحوال رغبة أمريكية واضحة في توظيف ملف التصعيد مع كوريا الشمالية من أجل تدوير زوايا الصراع مع بكين وموسكو؛ بهدف التأثير على مآلات الصراع مع هاتين القوتين بشأن ملفات أخرى في العالم سواء في شرق أوروبا أو في منطقة الشرق الأوسط؛ وبخاصة في هذه المرحلة التي باتت تشعر فيها واشنطن أن أوراق الضغط التي كانت تمتلكها في العديد من مناطق العالم لاسيما في أوراسيا بدأت تتساقط، لأسباب ليس هنا مجال التفصيل فيها، لعل من أبرزها الأزمات الداخلية غير المسبوقة التي تعرفها الولايات المتحدة الأمريكية منذ قدوم المحافظين الجديد في عهد الرئيس جورج بوش الابن. والشيء نفسه يمكن أن يصدق بالنسبة للصين وروسيا؛ حيث لا تترددان أيضاً في استثمار ملف كوريا الشمالية من أجل التأثير على حلفاء واشنطن في المنطقة؛ إذ سبق لهما أن عبّرا عن رفضهما لقيام الجيش الأمريكي بنشر منظومة متطورة من الأسلحة المضادة للصواريخ الباليستية في كوريا الجنوبية. ونستطيع أن نشير إلى أن الصراع بين هذه القوى الكبرى سيشهد مزيداً من المد والجزر بصرف النظر عن التأثير الذي تكون قد مارسته اللقاءات الثنائية، التي انعقدت على هامش قمة العشرين الأخيرة في هامبورج الألمانية، على الوضعية المعقدة لرقعة الدومينو التي ما زالت سائدة حتى الآن في منطقة شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي.

hzaoui63@yahoo.fr

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى