قضايا ودراسات

فراغ الثلاثي الغائب

عبد اللطيف الزبيدي

منهج سهل لتشييد صرح حضاريّ، لولا البيت النكديّ: «ولم أر في عيوب الناس شيئاً..كنقص القادرين على التمامِ». ثلاثيّ بسيط: الفلسفة والرياضيات والموسيقى. لكنه ليس ثلاثة ولا ثلاثين.
الأمّة التي لديها فلاسفة، لديها مفكرون. هي تؤمن بقدرة العقول على إنتاج الأفكار الرائدة، ودورها في تطوير الحياة العامّة إلى الأفضل والسير بها قدماً. تتحلّى برحابة الذهن والأريحيّة إزاء حريات الرأي والتعبير، ومستعدّة للتغيير إلى الأصلح والأجدى، مستفيدة من تنافسيّة وجهات النظر. تنوّع هذه المروحة الصينية، يخلق بطبيعته تخصصات فكرية في السياسة، الاقتصاد، التربية والتعليم، فلسفة العلوم، التاريخ، العلوم الاجتماعية والنفسية وسائر الميادين. تصبح الأدمغة الفذة الخبيرة العليمة روافد لكل مناحي الحياة العامّة، تمدّها بقدرات فائقة دائمة على رسم الخطط وتنفيذها وتصحيح مساراتها بالنقد البنّاء. نشوء مراكز الدراسات وارتباطها أكاديميّاً بالجامعات من جهة، وبالتنمية من جهة أخرى، يُكسب المؤسسات مناعة كبيرة ووقاية من عثرات الارتجال.
الأمّة التي تزرع الرياضيات، تجني ثمار العلوم. تمتلك حقول الفيزياء والكيمياء والأحياء. تماماً مثل مسيرة الكون على التوالي. هذه العلوم هي ينابيع الصناعة والزراعة والطبّ والاقتصاد والعمران بالمفهوم الخلدونيّ للمدنيّة والحضارة. تتطوّر هذه المجالات بالاستثمار في البحث العلميّ، فترفع مستوى التعليم، الذي يؤدّي إلى رفع منسوب إنتاج العلوم وينعكس على كل جوانب الحياة العامّة. عندما تغدو هذه المنظومة ثقافة حياة، تتجاوب العلوم كلها، الإنسانيّة والبحتة والتطبيقيّة، وتفرز مصلحة عليا من الطراز الحضاريّ، يُتوّجه نظام سياسيّ رشيد.
الأمّة التي تزدهر فيها الموسيقى الجادّة، القائمة على أسس أكاديميّة وتتطور فيها الأشكال الموسيقية بفضل البحوث والتحقيقات العلميّة، تكون قد حمت نفسها من الهبوط الفنيّ والاستهتار بقيم الإحساس بالجمال، ما يرتقي بالذوق العام في خط بيانيّ صاعد. المضادّات الحيويّة تتمثل في النقد المتجسد في العقول التي تحفظ القيم من الانحدار والانهيار. لكي تقوم للفن قائمة وقوام، لا بدّ من فلسفة فنّ وفكر جماليّ ودعائم علميّة. من هذه البنية القويّة تنطلق أجنحة الإبداع وتحلّق. ينجم عن ذلك ترابط الآداب والفنون التشكيليّة والموسيقى، تصبح كالسواقي المتعانقة، يفضي بعضها إلى بعض، وتتبادل التأثر والتأثير. تولد مدارس متجاوبة متناغمة، ينعكس ازدهارها على الاقتصاد وتربية الروح الوطنيّة والإرادة العامّة، والمشاعر الإنسانية المتيّمة بالتسامح والسلام، مع شحذ الذوق الذوّاقة الذي يميز السليم من السقيم.
لزوم ما يلزم: النتيجة التاريخيّة: عند اليونانيين كانت الفلسفة والرياضيات والموسيقى باقة حضارية واحدة. أوروبا منذ النهضة سارت على النهج، والآن الصين. هل سيظل العالم العربيّ استثناء؟

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى