قضايا ودراسات

ميشال تامر وفن البقاء

دانيال غالاس*

الاحتفاظ بالمنصب الأعلى في البرازيل ليس بمهمة سهلة في بلد سبق أن تمت فيه محاكمة برلمانية لرئيسين في العقود الثلاثة الأخيرة، ولبعض من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم السياسة والأعمال وإيداعهم السجن.
بالرغم من كل ذلك، يبدو أن ميشال تامر، الذي تولى رئاسة البرازيل بصورة مفاجئة العام الماضي، يملك موهبة خاصة في التعامل مع مثل هذا الوضع. ففي 25 أكتوبر/ تشرين الأول، نجح في الحصول على تأييد 251 صوتاً في مجلس النواب مقابل 233 لمعارضيه، وبذلك أوقف تحقيقاً في قضايا فساد كان سيرغمه على التنحي فوراً لمدة 6 أشهر على الأقل.
ولم تكن هذه أول مرة ينجح فيها من تجنب محاكمة برلمانية وإقالته. ففي أغسطس/ آب، نجا من تصويت مماثل.
وتامر هو أول رئيس في تاريخ البرازيل توجه ضده اتهامات جنائية بينما لا يزال في الرئاسة. والمزاعم ضده خطيرة جداً. فهو متهم بأنه يترأس منظمة إجرامية وبأنه حاول تعطيل سير العدالة. ويقول المدعون العامون، إنه في العام 2006، عندما كان تامر لا يزال عضواً في البرلمان، وضع خطة لتقديم رشى لا تزال تعمل حتى اليوم. ويزعم أن مؤيديه السياسيين حولوا 587 مليون ريال (180 مليون دولار) من مؤسسات حكومية مثل شركة البترول الحكومية «بتروبراس» ومؤسسة اليانصيب الوطنية إلى جيوب أعضاء في البرلمان.
وتامر متهم أيضاً بالضغط على رجل الأعمال الملياردير جوسلي باتيستا لكي يشتري صمت شاهدين رئيسيين مسجونين حالياً ولكنهما يتعاونان مع تحقيقات المدعين العامين.
ونفى تامر جميع هذه الادعاءات، وقال إنه «ضحية متآمرين انقلابيين» يحاولون إزاحته من السلطة.
والمفارقة هي أن سلفه الرئيسة ديلما روسيف قالت الشيء ذاته بشأن تامر عندما واجهت ادعاءات بإجراء تعديلات غير قانونية في مخصصات الميزانية، وهي الادعاءات التي أدت في النهاية إلى محاكمتها أمام البرلمان وإقالتها.
والآن، يقول المدعون العامون، إن لديهم أكواماً من الأدلة ضد تامر. وتشمل هذه الأدلة شريط فيديو يظهر فيه مساعد مقرب من الرئيس تامر وهو يحصل على أكياس مملوءة بملايين الريالات في أحد مطاعم مدينة ساو باولو. كما أكد شاهدان رئيسيان أن الرئيس تامر احتفظ لنفسه ببعض من هذه الرشى. وفوق ذلك، سجل المدعون العامون محادثة تباهى خلالها جوسلي باتيستا بأن تامر نجح في دفع رشى إلى قضاة وشهود.
وكانت الرئيسة السابقة روسيف قد حوكمت وأقيلت من منصبها العام الماضي استناداً إلى اتهامات أقل خطورة بكثير. ولكن تامر أظهر أنه أكثر براعة بكثير في فن البقاء السياسي.
ومن جملة الأمور التي تساعد تامر الوضع الاقتصادي. فإذا كانت روسيف قد أقيلت في ذروة أسوأ ركود اقتصادي في تاريخ البرازيل، إلا أن البلاد بدأت تظهر الآن مؤشرات على انتعاش اقتصادي. وتامر يعزو لنفسه الفضل في ذلك. وقد بعث برسالة إلى أعضاء البرلمان حذر فيها من أن التحقيق في شؤونه الخاصة سيقضي على هذا الانتعاش الاقتصادي.
ويقول العالم السياسي البرازيلي كارلوس ميلو، إن تامر لا يستخدم حججاً قانونية من أجل الدفاع عن نفسه، وإنما «هو يستخدم عملياً قلمه والميزانية البرازيلية من أجل الفوز» على خصومه.
وتامر أظهر أيضاً براعة في كسب تأييد كثيرين من السياسيين. إذ إن ادعاءه بأنه مستهدف من قبل سياسيين منافسين وجد قبولاً لدى سياسيين وأعضاء في البرلمان يواجهون اتهامات مماثلة بالفساد. واللافت للنظر أن 59 % من أعضاء البرلمان الذين صوتوا لصالح تامر في أغسطس/ آب خلال نقاش حول ما إذا كان يتعين إحالته إلى المحاكمة يخضعون هم أنفسهم لتحقيقات في قضايا فساد. ولكن إذا كان تامر يبقى قوياً جداً في أروقة السلطة في العاصمة برازيليا، إلا أن استطلاعات الرأي تظهر أنه الرئيس الذي يتمتع بأدنى نسب تأييد شعبي في تاريخ البرازيل.

*مراسل محطة الـ «بي بي سي» في أمريكا الجنوبية – موقع المحطة


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى