قضايا ودراسات

تاريخ متخيّل

خيري منصور

أحياناً نحتاج إلى الخيال السياسي وليس العلمي أو الأدبي فقط، وذلك على سبيل المران وتأهيل العقل كي يدرك الممكنات التي قد تتحقق فيما بعد!
ولو شئنا مثالاً فليكن من هذه الأيام العصيبة التي نعيشها مرة ونموتها ألف مرة، وهو ما الذي كان سيحدث لو أن الفكر الظلامي المتطرف ساد وهيمن وفرض أساليب تفكيره ومناهجه؟
إن هذا الخيال يذكرنا بكاتب فرنسي ألف كتاباً بعنوان «لو»، وتساءل فيه ما الذي كان سيحدث لو أن النازية انتصرت في الحرب العالمية الثانية، أو ما الذي كان سيحدث لو أن كارل ماركس مات طفلاً بالحصبة الألمانية، أو ما الذي كان سيحدث لو أن أسرة آل بوربون الفرنسية استطاعت العد حتى العشرين ولم يكن لويس التاسع عشر آخر ملوكها؟
بالطبع يستطيع أي باحث أن يمضي إلى ما لا نهاية في هذه الأسئلة والحصيلة أخيراً هي أن التاريخ كله كان سيغير مجراه ويكون للعالم الآن تاريخ آخر!
والمثال الذي أوردناه عن تخيل الفكر الظلامي والمتطرف وهو يسود العالم ويفرض ثقافته يكفي لأن يصبح هذا الكوكب «ديستوبيا» وهو مصطلح مضاد للـ «يوتوبيا».
وإذا كانت «اليوتوبيا» تعني المدينة الفاضلة فإن الديستوبيا تعني نقيضها وهو المدينة الراذلة. التي تخيلها الكاتب البريطاني أورويل قبل سبعين عاماً، ومما قاله، إن كل الكلمات سوف تنعكس معانيها ودلالاتها، فالحب كراهية، والسلم حرب، والكذب فضيلة، والخيانة بطولة، والاستبداد عدالة!
إن الهدف من الخيال التاريخي والسياسي ليس إعادة إنتاج الماضي تبعاً للنوايا والرغائب، فما حدث قد حدث وما من سبيل لتداركه.
لكن جدوى هذا الخيال هي لما سوف يحدث، فهل يكون تكراراً للأخطاء ذاتها أم دروساً وعبر!
وقد يكون جورج سانتيانا خير من تصدى للإجابة عن هذا السؤال حين قال، «إن القانون لا يرحم الجاهلين به»، تماماً كما أن التاريخ لا يرحم من لم يقرؤوه!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى