قضايا ودراسات

كسر مجاديف التنمية

عبداللطيف الزبيدي

هل يستطيع كاتب، في العالم العربيّ كله، أن يدّعي أنه يعرف بالضبط ما يجب أن يُكتب الآن؟ الادعاء سهل إذا كان يعني اللفّ والدوران أو التعالم أو تجاهل الواقع أو الهروب إلى استراتيجيّة النعامة. الشيء الوحيد الأظهر من الشمس، هو أن المصلحة العليا للخريطة العربية، هي الضحية المنكوبة، شعوبها عيونها بصيرة، وأيديها قصيرة، والقلة القليلة من عقلاء الأنظمة، مجال الحركة والفعل أمامها محدود.
حين طلب شوارتسكوف من بوش الأب السماح له بمحو العراق من الخريطة، فرفض الرئيس، فكان الوعد بإعادة وادي الرافدين إلى العصر الحجريّ، آنذاك قال القلم في نفسه: لم يعد للأقلام شأن في الساحة. لقد استولى السلاح على بيت أبي تمام: «السيف أصدق إنباء من الكتب…»، هو من سيطبّق شعرنا علينا، ويرينا الحدّ بين الجدّ واللعب. لقد قضينا العصر الحديث كله في اللعب، بالقيم، بالنظريات السياسية والتنموية والدفاعية. كنا نقرأ المتنبي، ولكن الأقوياء الجادين هم الذين اعتنقوا عملياً وتنفيذياً قوله: «أقوى الممالك ما يُبنى على الأسلِ». (الرماح العوالي).
لا توجد لغة، حيّة أو ميّتة، لها مزرعة مرادفات للسيف، كالعربية، ولا مسبعة مرادفات للأسد، مثل «الضاد»، لكننا جعلنا السيوف أقواس كمنجات تعزف على أوردة رقابنا؛ ولم يخطر ببالنا أن نجعل الديار العربية عريناً منيعاً. يبدو أن العرب حوّروا قول الشابّي: «إذا الشعب يوماً أراد الخدَرْ.. فلا بد أن يستجيب القدرْ… ولا بد للفجر أن يختفي.. ولا بدّ للعزم أن ينكسرْ». عقول الشعوب تسأل بصوت واحد: ما الذي يجري في أوطاننا؟ ماذا حدث للعرب؟ كيف بات الأمل في تنمية الحياة وحياة التنمية أعدى أعدائنا؟ لماذا أصبح دأبنا وديدننا كسر مجاديف كل من يفكر بإيجابية، ويتحدى الأمواج العاتية لإنقاذ السفينة العربية من الغرق؟ هل ذنب الأقليّة العربيّة المخلصة الناجحة أنها في عالم عربيّ فاقد التوازن بلا بوصلة تنموية حضارية؟ العقل العربيّ مضطرب نفسياً، غير قادر على التخطيط الهادئ، الذي يقتضي البناء التنمويّ التدريجيّ الصاعد الواثق، فتوهّم أن المحال ممكن. لو اجتمع في دماغ واحد مليار أينشتين، ومليار عبقريّ اقتصاد وسياسة، فسوف يكون أعجز من أن يوفق بين التنمية والحرب. هي كارثة على أطرافها، وشظايا سلبياتها تصيب تنمية من يقعون في منطقتها، بينما هم لا رصاصة لهم فيها ولا قذيفة. هل الحكمة والإيجابية والإخلاص للأوطان وحب المستقبل الزاهر ذنوب في بلاد العرب، يا عرب؟
لزوم ما يلزم: النتيجة اللغوية: سلامة إقلاع التنمية، شرطها الإقلاع عن التفكير في ما يناقضها.
abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى