قضايا ودراسات

ضحية اسمها الحقيقة!

خيري منصور

يروى عن الفيلسوف ديوجين أنه كان يحمل شمعة في عز الظهيرة وتحت الشمس الساطعة، ويقول إنه يبحث عن الحقيقة، لكنها دائماً في مكان آخر. وهناك واحدة من أشهر روايات القرن الماضي حملت عنواناً ذا دلالة يختصر المسألة كلها هو «الحقيقة ولدت في المنفى» فهل كانت الحقيقة على امتداد التاريخ هي الضحية؟ سواء في الحرب أو السلام؟
وهل كانت بالفعل كما وصفها ونستون تشرشل بحاجة إلى جيش من الأكاذيب لحراستها؟
هذه الأسئلة وغيرها أيضاً قد لا تنتهي، لكن ما توصف به الحقيقة حتى في حياتنا الاجتماعية اليومية هو أنها مُرة أو صعبة، لهذا تتطلب مواجهتها قدراً كبيراً من الشجاعة والقدرة على الاحتمال!.
وحين يسمع أو يشاهد الناس في أيامنا عبر مئات الفضائيات تفسيرات وتأويلات متناقضة حول خبر واحد، فمن حقهم أن يتساءلوا أين هي الحقيقة إذن؟ ما دام الجميع يدّعونها، ويسعون باستخدام كل الوسائل لاحتكارها!
حتى الحقائق العلمية المتعلقة بالفيزياء وظواهر الطبيعة ليست نهائية، فالقمر والكواكب الآن ليست هي ذاتها كما تصورها الناس قبل ألف عام. وكذلك قوس قزح والسراب، لأن تاريخ العلم كما يقول العلماء أنفسهم هو تاريخ الأخطاء، فالأرض لم تبدأ بالدوران لأن جاليليو قال ذلك، والصراعات النفسية وما تفرزه من عقد ليس من اختراع فرويد أو أي عالم نفسي آخر.
إن ما يحدث هو اكتشافها وليس اختراعها لأنها موجودة قبل أن يولد الذين يكتشفونها.
والحقيقة بمعناها الدقيق هي بالفعل ضحية، وغالباً ما يجري التآمر عليها لاستبدالها وفقاً للنوايا والمصالح.
والأكاذيب التي قال تشرشل إنها ضرورية لحراسة الحقيقة فعلت العكس وافترست الحقيقة!
والفيلسوف ديوجين الذي اتهم بالجنون لأنه حمل شمعة تحت شمس ساطعة للبحث عن الحقيقة مات قبل أن يجدها، وإذا كان الموت هو أهم وأبقى حقيقة في هذا الكون، فإن البشر يواصلون الإصرار على عدم تقبلها!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى