قضايا ودراسات

حوارية المعجزة الممكنة

عبد اللطيف الزبيدي

قال القلم: هل تصدق أن العالم العربيّ يعاني فراغاً جيوسياسياً؟ قلت: إن صدق ظني، فقد حدثت أشياء كثيرة أدّت إلى ذلك. لا يشك عاقل في أن في بلاد العرب، من الماء إلى الماء، دولة واحدة تستطيع أن تكون المحور في الجغرافيا السياسية، هي مصر. حادثات الليالي لعبت أدواراً غير خافية عمّن رُزق الفطنة، شغلتها عن أداء مسؤوليات مركز الجاذبية. التفكك الجماعيّ لا تخطئه عين، فالمنطق يقضي بأن المنطقة العربية تعاني تخمة جيوسياسية، لا فراغاً. دول القارّات الخمس حاضرة، فأين الفراغ؟
قال: الحمد لله، طمأنتني إلى أن الفهم لا يزال بخير. الآن أستطيع أن أبوح بالمكنون. المشكلة المعضلة الكارثية، هي أن العرب جميعاً يؤمنون، وهم شتى بألف مسلك، بأنهم أعقل العقلاء وأحكم الحكماء، وخلفهم وسائط إعلام ومحللون وخبراء استراتيجيون بألف مشرب، يضخون صباح مساء، البراهين التي تثبت رجاحة العقول بفصاحة الألسن، وهم لا يتبادر إلى أذهانهم أبسط سؤال: إذا كانت الأدمغة على هذه العبقرية والنبوغ، فلماذا أوضاع العرب بقضها وقضيضها على هذا الاهتراء، وكل حركة أو سكون زمامها في أيدي غير العرب؟
قلت: أنت انصرفت إلى منحى يغرقنا في تاريخيّة أسباب فقدان المنظومة العربية عوامل الانجذاب إلى القوة المحورية (مصر). لقد كانت الجاذبية قوة ناعمة، وهذا هو ما سهّل تحييد الجذب وإبطال مفعوله. لقد كانت تلك القوة الناعمة دائماً ثقافية مع لمسات توجهات سياسية خَطابيّة في أغلب الأحيان. العناصر البنائية الصلبة كانت دائماً غائبة: التكامل التنموي الاقتصادي، العلمي الصناعي الزراعي، التطويري سياسياً للفكر والحريات والتعليم والبحث العلمي والمسؤولية الإعلامية، والدفاع المشترك وهو القوة الصلبة الأخرى التي تحفظ الشعوب وسيادة الأوطان. ضعف كل هذه الميادين كان واضحاً أنه سيؤدي حتماً إلى الحال الحاليّة.
قال: الجانب الساخر، هو أن العقل الجماعيّ العربيّ، لا يريد الاعتراف بأنه فرديّ جداً. كل المختلفين في الرأي إلى حد التناقض 180 درجة، مقولتهم واحدة: «أنا الوحيد الذي على حق، فمن ليس معي فهو ضدي». كيف تريد لتفكير كهذا أن يحترم الاختلاف في الرأي وحرية الرأي والتعبير؟ بصراحة، هذا هو المسلك الذي جعل العقل العربيّ غير قادر على أن يفتح نافذة على إرادة الشعوب وطموحها. ما شهدته البلدان العربية طوال العصر الحديث إنما هو نزاعات أنظمة لا صراعات شعوب، ما يلقي الأمانة في إعادة الوعي العام على مركز الجاذبية.

لزوم ما يلزم: النتيجة الحتمية: لا وجود للمعجزات في السياسة. الحل الممكن، هو البناء السليم بالمتاح الموجود.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى