قضايا ودراسات

الحب القاسي

د. حسن مدن

كي لا أخيّب آمالكم، أبادر إلى القول: لا يخدعنّكم العنوانُ أعلاه، فالحديث هنا لن يدور عن الحب الذي يرد في الأذهان حين نسمع هذه المفردة، حتى لو كان قاسياً، ربما تمييزاً له عن حب آخر، رقيق. ولكن أتمنى أن يكون لديكم بعض الصبر لقراءة الحديث حتى النهاية.
تعبير «الحب القاسي» استخدمه الدكتور محمد غانم الرميحي لوصف علاقة الدول الغربية بمنطقة الخليج العربي، في مقالة قديمة له نُشرت في أحد أعداد المجلة الشهيرة «العربي»، وأعيد نشرها في كتاب صادر عن المجلة نفسها اسمه «الخليج العربي.. وآفاق القرن الواحد والعشرين» في العام 1977. وهي سُنّة حسنة استنتها «العربي» بأن تجمع في كتبٍ ما نشر في أعدادها على مدار عمرها الطويل، أطاله الله أكثر فأكثر، مصنفةً حسب الموضوعات، وبالتالي فإنها تضع في متناول القارئ حصيلة مهمة حول الموضوعات المختلفة، نشرت في دورية بأهمية ومكانة «العربي»، التي عليها يصح القول: اسم على مسمى.
الدكتور الرميحي كان بصدد الإجابة عن سؤال: «هل رأى رحالة الغرب أهل الخليج على حقيقتهم؟»، وتتبع هذا الموضوع تاريخياً، مهتماً بتحديد دوافع اهتمام هؤلاء الرحالة بهذه المنطقة، وهو اهتمام تداخلت فيه المشاعر الرومانسية في اكتشاف عالم الصحراء البكر، بالدوافع الاستعمارية، وأيضاً بالرغبة في التبشير الديني. وحول الدافع الأخير بالذات، فإن الرحالة العربي، المسيحي بالمناسبة، أمين الريحاني نصح المبشرين الأوروبيين في كتابه «ملوك العرب» بالاكتفاء بالتطبيب والتعليم وترك التبشير، «فهؤلاء البدو لن يتركوا دينهم مهما قدم لهم من إغراءات».
كانت علاقة الغرب بالشرق، والشرق العربي بصفة خاصة علاقة ملتبسة على الدوام، وإذا كان نفر من الرحالة أتوا المنطقة محمولين بفضول شخصي ورغبة في خوض المغامرات التي يهواها طراز من البشر، فإن الغرب اهتمَّ بهذه المنطقة لدوافع سياسية واستراتيجية واقتصادية، خاصة في مراحل تصارع الضواري الاستعمارية على مد النفوذ في مختلف مناطق العالم، لذا كان الخليج والجزيرة العربية هدفاً للبرتغاليين والهولنديين والفرنسيين والقياصرة الروس، ولكن في النهاية حسمت بريطانيا، التي كانت عظمى، الأمر لصالحها.
ليس صحيحاً الانطباع العابر والسطحي بأن اهتمام الغرب بهذه المنطقة بدأ بظهور الإشارات على وفرة النفط في باطنها. إن قراءة تاريخ المنطقة تدل على أن هذا الاهتمام يعود إلى قرون قبل اكتشاف النفط، من أجل تحويلها إلى رأس جسر في السيطرة على الطرق الدولية، ثم أتى موضوع الهيمنة على ثرواتها، ولأن ضمان هذه الهيمنة كان يتطلب وجوداً غربياً دائماً معززاً بالقوة العسكرية، فإن الغرب لم يتردد في أن يفعل ذلك، ومن هنا أتى ذلك «الحب القاسي»، الذي هو بوصف الرميحي «شديد الشراهة» بدلاً من عشق التفهم والتواصل.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى