قضايا ودراسات

مقارنات جائرة

خيري منصور

نسمع بين وقت وآخر مقارنات قد تكون جائرة بين مستوى التعليم في الخمسينات والستينات من القرن الماضي وبين مستواه الآن، وكذلك بين الفنون بمختلف ميادينها، بحيث أصبح البعض يطلقون على الماضي عبارة الزمن الذهبي الجميل، وحين نصف هذه المقارنات بأنها جائرة وغير منصفة فذلك لأنها تعمم ولا تستثني، وتضع جيلاً كاملاً في قارب واحد!
هذا بالرغم من أن تقنية وأدوات وأساليب الفنون والتعليم تطورت كثيراً، وأصبح عدد المعاهد والجامعات أضعاف ما كان عليه في ذلك الزمن، لكن التقنية ومهارات الأداء ليست كل شيء، وهناك لوحات رسمها فنانون من الرواد قبل عقود أو حتى قرون يصعب تكرارها من حيث الجودة والدقة والرؤى، كما أن فلاسفة اليونان والمسلمين لم يتخرجوا من أكاديميات، وكانت صفة الأكاديمي تطلق على من يتحلقون من الإغريق حول قبر محارب اسمه أكاديموس!
وبالأمس قرأت مذكرات مذيعة عربية من جيل الخمسينات من القرن العشرين، وفوجئت بأنها تروي وقائع قد لا تقبل التصديق في زمننا ذي الإيقاع المتسارع المحموم، تقول إنها تدربت عدة أشهر على ثلاث جمل، وكان مطلوباً منها أن تقرأ نشرة الأخبار مرتين قبل موعدها لتدارك الأخطاء!
ما تغير إذن هو الجدية والإحساس بالمسؤولية المهنية في كل المجالات لهذا لا نستغرب حين نقرأ لكاتب روائي فاز بجائزة نوبل هو أرنست همنجواي أنه أعاد كتابة إحدى رواياته سبعاً وثلاثين مرة! أو أن فناناً استغرق رسمه للوحة أربع سنوات هو ليوناردو دافنشي في لوحته الخالدة «الجيوكاندة» أو «الموناليزا»!
إن مقارنات كهذه مشروعة بل ضرورية تربوياً ونقدياً، لكن بشرط عدم الوقوع في الإطلاق والتعميم، ففي أيامنا هناك نماذج تعطي كل ما لديها من الوقت والجهد لإنجاز ما يستحق البقاء، ويخطئ من يظن أن التكنولوجيا تقدم تعويضاً عن الجهد البشري، وهذا ما سماه مفكر ياباني الدفاع عن أخطاء البشر الحميمة!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى