قضايا ودراسات

وحدة سوريا والمنطقة

محمد نور الدين

عكس البيان المشترك لروسيا والولايات المتحدة الأمريكية حول أهمية وحدة سوريا، كذلك القول إنه لا حل عسكرياً في سوريا والمفاوضات هي طريق الحل، شعوراً متزايداً حول خطورة أي حل عسكري، أو تقسيمي للأزمة المستمرة منذ سبع سنوات.
بطبيعة الحال، فإن الأحداث لا تدار بالبيانات والأقوال، وما يجري منذ التدخل الأمريكي والروسي في سوريا يؤكد العكس، وهو أن الأزمة تدار بالعنف والقوة من جانب كل الأطراف. وما يحصل هو عملية تجميع أكبر قدر ممكن من أوراق القوة لاستخدامها في مفاوضات «الحل النهائي». وأمريكا وروسيا هما أول من يستخدم القوة، ولا سيما بالغارات التي توفرها لهما الطائرات الحديثة التي لا تتوفر لدول أخرى. مع ذلك فأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً.
تكاد الحرب في سوريا تقارب خواتيمها. هذا ما يمكن أن يخرج به المتابع من انطباعات بعد حسم معركة البوكمال، والتنظيف المرتقب لتواجد «داعش» على جانبي الحدود العراقية – السورية، فإن الأوضاع تبدو «مضبوطة» في المناطق كافة. وتظهر الساحة السورية موزعة بين ثلاث مناطق نفوذ.
* أولاً، المناطق التي يسيطر عليها النظام وحلفاؤه وتضم الأغلبية الأكبر من الأراضي السورية، وتضم كبريات المدن والأغلبية السكانية وتمتد من الساحل السوري مروراً بالحدود السورية مع لبنان وصولاً عبر الوسط السوري إلى تدمر ودير الزور والبوكمال فالحدود مع العراق.
* ثانياً، منطقة واضحة التواجد وتشمل كل المنطقة السورية شمال وشرق نهر الفرات في الشمال السوري، إضافة إلى منطقة عفرين، وتتواجد فيها قوات الحماية الكردية كعصب أساسي لقوات سوريا الديمقراطية.
* ثالثاً، منطقة إما تسيطر عليها تركيا مباشرة أو بصورة غير مباشرة، وتضم المثلث بين جرابلس وأعزاز والباب وأخرى في محافظة إدلب. وتتوزع القوى الكبرى وفقاً لهذه الخريطة. روسيا حيث قوات النظام، وأمريكا حيث الأكراد، وتركيا حيث فصائل معارضة ولا سيما جبهة النصرة. بالطبع توجد مناطق ملتبسة تختلط فيها الأمور لكنها لا تشكل وحدة جغرافية وسلطة أمر واقع متكاملة.
كانت المعارك ترفع شعاراً معلناً وهو محاربة الإرهاب المتمثل ب«داعش» و«جبهة تحرير الشام» (النصرة سابقاً). ومع اقتراب نهاية «داعش» وربما النصرة، فإن قواعد الاشتباك لا بد أن تتغير.
البديل عن حل سلمي هو الاشتباك بين قوات الجيش السوري النظامي وقوات الأكراد وقوات الجيش التركي. وهذا بحسابات القوى أمر مستبعد لأنه يعني بدء مرحلة جديدة من حرب أكثر ضراوة مما شهدته الساحة السورية. وهذا خيار لا تحبذه القوى الكبرى المعنية لأنها ستكون في مواجهة بعضها بعضاً مباشرة. وهذا يعني في المقابل أن محركات الحل السلمي بدأت تتحرك.
اختطت روسيا مساراً جديداً اسمه أستانا كانت له نتائج إيجابية على الوضع الميداني، وقلل من حدة المعارك وصولاً إلى إنشاء مناطق خفض تصعيد متعددة في اكثر من منطقة في سوريا كان لها دورها في تراجع حدة الحرب.
ومن قبل كانت أمريكا هي التي اختطت مسار جنيف السياسي الذي حقق نتائج معينة لم تصل إلى نهايتها.
بين هذين المسارين تحاول روسيا أن تنقل مسارات حل الأزمة إلى مستوى جديد يجمع بين أستانا وجنيف أو أي شكل يتناسب مع المرحلة الجديدة. وهو ما تطلق عليه روسيا مؤتمر الحوار السوري بعدما كانت تريد أن تطلق عليه اسم «مؤتمر الشعوب السورية».
تغيير اسم المؤتمر كان اكثر من ضروري لأنه كان يعكس إقراراً بأن سوريا بلد مؤلف من شعوب عدة. وهذا يعني أن العراق والأردن ومصر ولبنان وليبيا والجزائر والسودان، وكل الدول العربية مؤلفة من شعوب وليس من شعب واحد يضم مكونات أو جماعات إثنية، أو دينية، ومذهبية متعددة. وهذه كانت غلطة استراتيجية روسية.
البيان الأمريكي- الروسي يعيد الاعتبار إلى مسار جنيف، أو ما يشبهه من مؤتمر روسي جديد في سوتشي، ولكن بشروط وأسس جديدة ترتكز على مكاسب أستانا. ومع تنظيف «داعش» بالكامل، وتراجع مشروع الانفصال الكردي في العراق، ومع إشارة روسيا وأمريكا إلى وحدة التراب السوري، فإن التفاؤل ببدء العد العكسي للحل النهائي في سوريا سيكون أكثر من أي وقت مضى.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى