قضايا ودراسات

سهولة تنفيذ وعد بلفور

إلياس سحاب

حملت الذكرى المئوية لنشوب الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن المنصرم (1914-1918)، أكثر من ذكرى فرعية قاسية بالنسبة للتاريخ المعاصر للأمة العربية. فالعام المنصرم، 2016 كان مخصصاً في الصحافة العربية للذكرى المئوية لاتفاقية سايكس- بيكو، التي عمدت فيها القوتان الاستعماريتان المتحالفتان في الحرب (بريطانيا وفرنسا)، ومنذ منتصف الحرب، إلى وضع خطة متكاملة لاقتسام الغنائم بينهما في المنطقة العربية، في حال انتصارهما على الإمبراطورية العثمانية.
أما العام الحالي (2017) فقد خصصته الصحافة العربية لاستعادة الذكرى المئوية لوعد بلفور، الذي كان المقدمة التاريخية لوضع قرارات المؤتمر اليهودي الأول (1897) في مدينة بازل السويسرية، لإنشاء وطن قومي لليهود، وقد كرّس هذا الوعد التزام بريطانيا بأن تكون فلسطين العربية، هي الموقع النهائي لإنشاء هذا الوطن القومي الدخيل.
لقد قرأت حتى الآن عشرات المقالات عن الذكرى المئوية لهذا الوعد المشؤوم، لكني استغربت لمّا لاحظت في هذه المقالات إغفال تناول السهولة التي أتمّت بها حكومة الاستعمار البريطاني لفلسطين، التطبيق الحرفي لهذا الوعد، بأوسع مما حلمت به الحركة اليهودية نفسها، وذلك خلال ثلاثين سنة من استعمار أرض فلسطين العربية، إلى جانب دول عربية أخرى.
ونلاحظ في هذا المجال أيضاً أن نصف قرن من الزمان (1897-1948)، كان كافياً لنجاح الحركة في التحالف مع قوى الاستعمار الدولي التي تقاسمت شؤون المنطقة العربية، لإنجاز كامل لما كان يبدو حلماً صعب التحقيق، إن لم يكن مستحيلاً، كما كان يبدو للبعض، في بعض المراحل. وهي السهولة نفسها التي نجح فيها تطبيق المحتوى الكامل، بكل تفاصيله، لاتفاقية سايكس- بيكو.
صحيح أن المنطقة العربية كانت في البداية تحت صدمة تاريخية مهولة، هي انهيار الإمبراطورية العثمانية، التي حكمت قطاعات واسعة من المنطقة العربية طوال أربعة قرون، منذ مطلع القرن السادس عشر (1516) حتى مطلع القرن العشرين (1918)، ولكن يبدو أن هذه الصدمة كانت من العمق والشدة، بحيث تحوّلت إلى قوة كابحة لبناء علاقة صحية وطبيعية بين الأقاليم العربية الخارجة من إطار الإمبراطورية العثمانية المنهارة من هذه الأقاليم المترامية بين المحيط الأطلسي من الغرب والخليج العربي في الشرق، وبين امتلاكها أسرار بناء استقلالها السياسي الحقيقي، ونموها الاجتماعي والاقتصادي والحضاري، كما فعلت سائر شعوب العالم، رغم مرورها بويلات تاريخية، لم تكن أقل هولاً من صدمة انهيار الإمبراطورية العثمانية، بالنسبة للأقاليم العربية.
الذي ما زال ظاهراً حتى يومنا هذا، أن خضوع المنطقة العربية لأربعة قرون من الحكم العثماني، قد خرج بالأمة العربية من مسيرتها التاريخية التي عرفت منذ ما قبل القرون الوسطى وعندما كانت قارة أوروبا لا تزال غارقة في عصورها «الجاهلية» حضارياً عصوراً من الازدهار العلمي والثقافي والسياسي والاقتصادي، وتوّجت ذلك بتجربة الازدهار الحضاري العربي في الأندلس، التي كانت منبعاً حضارياً استمدت منه قارة أوروبا في فترات صحوتها الأولى كل عناصر قوة التقدّم التاريخي في سائر مبادئ حياة الشعوب.
ولم يكن غريباً ذلك التزامن التاريخي بين اكتشاف أوروبا للقارة الأمريكية، وبين الأفول الكامل لتجربة العرب الحضارية الطويلة في الأندلس، فقد دخل العرب منذ ذلك الوقت، ومع النجاح الساحق والتاريخي للغزو العثماني لكل أرجاء المنطقة العربية، عصر الخروج من أضواء التاريخ إلى عصر الظلمات، التي على ما يبدو عملياً، أن أثارها ما زالت مستمرة في المنطقة، حتى بعد خروجها من إطار الإمبراطورية العثمانية المنهارة، ودخولها تاريخ القرن العشرين من أوله إلى آخره.
لقد عرفت الأمة العربية في منتصف هذا القرن العشرين، تجسيداً حياً لأبشع كارثة حضارية يمكن أن تخضع لها أمّة من الأمم، وهي نجاح القوى الاستعمارية، بالتحالف مع الحركة اليهودية الوليدة، في انتزاع قلب الأمة العربية جغرافياً وحضارياً، ذلك الجسر الواصل بين قارتي آسيا وإفريقيا، وبين مغرب الوطن العربي ومشرقه.
ومع ولادة القرن الجديد بعد ذلك، ومع مرور الصراع العربي – «الإسرائيلي» في مراحل متعددة، فالذي يبدو على سطح المجرى التاريخي في مطلع القرن الحادي والعشرين، أن «إسرائيل» لم تكتف باغتصاب أكثر من نصف أرض فلسطين التاريخية، تطبيقاً لوعد بلفور، في العام 1948، بل استكملته بعد ما يقارب العشرين عاماً، بالاستيلاء على المساحة الكاملة لأرض فلسطين التاريخية، بعد طرد أكثر من نصف شعبها منها وتشريدهم في بقاع الأرض. وإذا استعرضنا اليوم في نظرة عابرة مسيرة مأساة العرب في فلسطين، بناء على وعد بلفور، فيصاب المرء بالدهشة للسهولة التي تم بها تنفيذ هذا المشروع الاستعماري في قلب الوطن العربي الكبير.
صحيح أن العرب قد خرجوا من إطار الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، لكن الصحيح أيضاً أنهم لم يدخلوا بعد، وحتى يومنا هذا، رحاب العصور التاريخية الحديثة للبشرية، دخولاً كاملاً.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى