قضايا ودراسات

«داعش» بثوب جديد

صادق ناشر

تثار المخاوف في أوروبا، فضلاً عن منطقة الشرق الأوسط، من أن يكون القضاء على تنظيم «داعش» عسكرياً مقدمة لعودته بثوب جديد، يلعب فيه التنظيم دوراً مختلفاً يشكل خطراً على المنطقة والعالم، من بينها الولايات المتحدة وأوروبا، التي عادت إليها موجات من عناصر التنظيم مع اقتراب المعارك من نهايتها في كل من العراق وسوريا، حيث يخشى أن يعيد التنظيم ترتيب صفوفه من جديد مع عودة عناصره إلى أوروبا، خاصة ممن يحملون جنسيات هذه الدول، سواء كانوا أوروبيين، أو أجانب حصلوا عليها بموجب قوانين الهجرة في هذه البلدان.
في القارة الأوروبية يثار جدل حول الطريقة التي تتعاطى فيها حكوماتها مع قضية التطرف، فالقوانين المرنة التي يتم استغلالها من قبل الحاصلين على جنسياتها، تمنح المرتبطين بتنظيم «داعش»، و«القاعدة» القدرة على التحرك بشكل أكثر فاعلية، فالقيود التي تتضمنها القوانين في هذه البلدان لاتزال في حدها الأدنى، ويستطيع عناصر التنظيم الإفلات منها، بل وفي كثير من الأحيان استغلالها.
لهذا كان على بعض البلدان الأوروبية مراجعة بعض قوانينها التي تهدف إلى حماية أمنها الداخلي، ويمكن فهم ذلك من الرغبة في عدم ترك الأمور من دون ضوابط، وهو ما جسدته الحكومة الفرنسية، التي أقرت مؤخراً قانون مكافحة الإرهاب، ومثلها يمكن أن تتجه دول أوروبية أخرى، على رأسها بريطانيا، التي يبدو أن التفاعلات الداخلية بشأن قضية الإرهاب تفعل فعلها، ويمكنها أن تطيح حكومة تريزا ماي.
مع ذلك فإن النقاشات داخل أوروبا بشأن انتشار ظاهرة الملتحقين بالتنظيمات المتطرفة تحظى باهتمام العديد من المراقبين، الذين يرون أن الدول الأوروبية تجاهلت الأسباب الحقيقية التي تولد التطرف، وتدفع الكثير من الأوروبيين للالتحاق بالتنظيمات المتطرفة، من بينها تجاهل حقوق المهاجرين، والسياسات المتبعة حيال القادمين من خارج هذه الدول، كحال فرنسا، التي اعترف رئيسها مانويل ماكرون أن فرنسا أخطأت بتخليها عن أكثر أحيائها فقراً، ما يعني أن خميرة التطرف تبدأ من الأحياء الفقيرة، حيث لا يجد الشباب العاطل عن العمل سوى اللجوء إلى الجهات التي تمنحهم فرصة لإظهار ما لديهم، لكن مع الأسف، بالاتجاه التدميري، حيث تتلقف الشباب جهات متطرفة في المساجد والجمعيات الخيرية، والتي تستغل حالة الإهمال التي تواجه الشباب العاطل عن العمل في دول أوروبية كثيرة، التي تتحاشى إدماج المهاجرين في البنية الاجتماعية الداخلية، خشية التأثير في النسيج الاجتماعي الأوروبي الخالص.
من هنا تبدو التحذيرات من بروز ثوب جديد لتنظيم «داعش» تدعمها الحقائق على الأرض، فالآلاف من عناصر التنظيم، ومع خسارة التنظيم للأرض التي كانت تقع تحت يده في العراق وسوريا، سيكونون بمثابة قنابل موقوتة داخل أوروبا، ولا يستبعد خبراء ومحللون انضمام مقاتلي «داعش» لأفرع متطرفة أخرى، مثل تنظيم «القاعدة»، الذي كان حاضراً بقوة في أوروبا خلال السنوات التي سبقت ظهور «داعش» في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يعني دخول العالم في مواجهة مختلفة مع عناصر التطرف، التي صارت تنضوي تحت أشكال مختلفة، وستكون معها المعركة أكثر شراسة.

sadeqnasher8@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى