قضايا ودراسات

أسواق للعبودية الجديدة

يونس السيد

المشاهد الصادمة التي بثتها شبكة «سي إن إن» الأمريكية ضمن تقرير لها حول وجود سوق لبيع البشر في ليبيا، ليست مأخوذة من مسلسل «الجذور» الشهير لمؤلفه اليكس هايلي، الذي راح يتتبع جذور عائلته التي تم جلبها إلى الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر، وإنما هي مشاهد حية وحقيقية لأسواق نخاسة، وعبودية جديدة بدأت تنتعش، خصوصًا في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين.
يبدأ المزاد العلني بتحديد سعر الشخص الواحد ب800 دينار ليبي، ثم ب900، ثم ب1000، ثم يغلق المزاد على 1200 دينار لعدد من المهاجرين، ويتم بيع هؤلاء في ظل أجواء طبيعية، كأن مثل هذا النوع من المزادات التي تجري إقامتها بين الحين والآخر أصبح أمراً عادياً. لن نتحدث عن الأسباب التي تدفع آلاف المهاجرين إلى الهرب من بلدانهم لكي يقعوا أخيراً في براثن المتاجرين بالبشر، فقد أصبحت الدوافع شبه معروفة، من الفقر، والاضطهاد، والسعي لتحسين ظروف حياتهم، إلى الهروب من جحيم الحروب والصراعات الداخلية، والإقليمية، بقدر ما تهمنا السياسات المتبعة في التعامل مع هؤلاء المهاجرين في ظل الفوضى الناجمة عن صراعات داخلية في بلدان عدة.
القيود التي تفرضها الدول الأوروبية، والغرب عموماً، للحد من تدفق المهاجرين، وإعادة الآلاف منهم إلى الأماكن التي جاؤوا منها، بعد أن يكون قد نجا منهم من نجا، وغرق منهم من غرق، تجعل هؤلاء يتجمعون في دول لا تزال تشهد صراعات داخلية، وحالات من الفوضى، كما هو الحال في ليبيا، حيث سرعان ما يصبح هؤلاء فريسة سهلة للمتاجرين بالبشر، الذين يقومون باستغلال ظروفهم أبشع استغلال، ويجدون في هذه المهنة تجارة رائجة ومربحة، لا تحتاج إلى رأسمال كبير بقدر ما تحتاج إلى ميليشيات مسلحة تقوم باصطياد هؤلاء وإدارة المعسكرات التي يتجمعون فيها.
تقرير «سي إن إن» يشير إلى انه تم تسليم الأدلة السرية المصورة إلى السلطات الليبية التي وعدت بالتحقيق في الأمر، ولكن هل السلطات الليبية قادرة فعلاً على القيام بذلك في ظل الظروف الحالية؟ قد تكون العبودية لا تزال موجودة على نطاق ضيق في بعض الأماكن في العالم، خصوصاً في بعض الدول الإفريقية، لكننا في الواقع أمام معضلة حقيقية يتشارك فيها الغرب صاحب الحريات، وحقوق الإنسان، والذي يسعى بكل ما يملك إلى محاربة الهجرة غير الشرعية مع الدول المصدرة للهجرة، وتلك التي تشكل محطات عبور لهم، لأن هذه الشراكة تنتج معضلة أكبر، في النهاية، وهي فتح أسواق جديدة للنخاسة، وبيع البشر.

younis898@yahoo.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى