قضايا ودراسات

سد النهضة.. السيناريوهات الحرجة

عبدالله السناوي

لا سبيل إلى التخفيف من وطأة أزمة المياه على مصير بلد ارتبط وجوده بنهر النيل، وتأسست على ضفافه أقدم الحضارات، وأكثرها إلهاماً، وتأثيراً في تاريخ الإنسانية. المسار الفني في مفاوضات سد النهضة الإثيوبي وصل إلى طريق مسدود، والفشل بات مؤكداً.
لم تكن هناك مفاجأة في الوصول إلى هذه النقطة، فمن الملامح الرئيسية لمسار التفاوض استهلاك الوقت حتى نجد أنفسنا أمام سد قد بني وخزان امتلأ بالمياه من دون أدنى توافق على أية إجراءات وقواعد تمنع الضرر عن دولتي المصب.
كما لم تكن هناك مفاجأة في تضاد المواقف من التقرير الاستهلالي الذي قدمه المكتب الاستشاري الفرنسي بتكليف من الدول الثلاث (إثيوبيا ومصر والسودان)، حول الآثار المترتبة على بناء السد مصر وافقت عليه والسودان انضم إلى إثيوبيا على خلفية الاحتقانات السياسية المكتومة والمعلنة بين البلدين.
ومع الإعلان الرسمي عن فشل المسار الفني طُرح على الرأي العام سؤال حرج: ماذا بعد ملء خزان سد النهضة الإثيوبي؟
تبدت حالة انكشاف خطرة، فلم يكن الرأي العام على شيء من المعرفة بحقائق الموقف.
أهم شروط إدارة مثل هذه الملفات الحساسة بنجاح أن يكون الرأي العام حاضراً، وملماً بالحقائق الأساسية، ومطمئناً في الوقت نفسه إلى كفاءة الأداء. تلك ضرورة تماسك وطني أمام سيناريوهات حرجة تطل بأخطارها على المستقبل المنظور، فأزمة المياه وجودية تتصل بالحياة، أو الموت.
الأمن المائي يرتبط بالضرورة بالأمن الاجتماعي وقدرة البلد على إنتاج الغذاء وتوفيره بأسعار مناسبة لمواطنيه، كما يتداخل مع الأمن العام وخطر الإرهاب على سلامة المجتمع والدولة.
أول تهديد وجودي خفض حصة مصر من مياه النيل، التي تبلغ (٥٥.‬٥) مليار متر مكعب سنوياً وضرب الأمن المائي في صميمه.‬‬ بافتراض أن سد النهضة لم ينشأ من الأساس، فإن تلك الحصة لا تكفي الاحتياجات المتزايدة للمصريين مع زيادة أعداد السكان (١٠٤) ملايين نسمة والتطلع إلى استزراع أراض جديدة تفي باحتياجات السكان من الغذاء.
المعنى في أية استراتيجية ممكنة السعي للحفاظ على الحصة المصرية التاريخية من تدفقات نهر النيل والعمل في الوقت نفسه على توفير موارد إضافية، كالآبار الجوفية، وتحلية مياه البحر للشرب، وتدوير مياه الصرف الزراعي والصحي، فضلاً عن سياسات جديدة وصارمة لتعظيم استخدام كل قطرة مياه.
وفق اتفاق المبادئ الذي وقعه في مارس/آذار (٢٠١٥) بالخرطوم قادة الدول الثلاث، فإن «الغرض من سد النهضة هو توليد الطاقة للمساهمة في التنمية الاقتصادية والترويج للتعاون عبر الحدود».
الهدف بذاته حق إثيوبي كامل بحثاً عن تحسين أحوال مواطنيها بطرق أبواب التنمية ووسائلها، يقابله حق مصري ثابت في المياه من دون انتقاص من حصتها التاريخية.
غير أن ما هو واضح من حقوق لا تسنده سياسات وتصرفات تؤكد حسن النية و«عدم التسبب بضرر ذي شأن» وفق ما جاء باتفاق المبادئ.
المثير هنا أن اتفاق المبادئ استقيت مصطلحاته وروحه العامة بالكامل تقريباً من اتفاقية «عنتيبي» لدول حوض نهر النيل، التي اعترضت عليها مصر بمشاركة سودانية.
الاعتراض انصب على مادتها الرابعة عشرة، التي أشارت بصياغة عامة: «ألا يكون هناك تأثير سلبي في الأمن المائي لأي دولة من دول الحوض».
كان الاقتراح المصري البديل: «ألا يكون لها تأثير سلبي في الأمن المائي والاستخدامات الحالية وحقوق أي دولة من دول الحوض».
الفارق بين الصياغتين جرى التخفف منه في اتفاق المبادئ.
هنا يطرح السؤال نفسه: لماذا لا يجري الآن التوقيع على اتفاقية «عنتيبي» حتى يمكن إشراك دول حوض النيل والاتحاد الإفريقي بصورة مباشرة في الأزمة، والاحتكام إلى آليات فض المنازعات المنصوص عليها في تلك الاتفاقية؟
كما أن التوقيع لا يمنع وفق نصها من الانسحاب منها. باليقين «عنتيبي» ليست مثالية ومن بين دواعيها استهداف مصر، لكنها أفضل من إعلان المبادئ.
من بين ما نصت عليه للاستخدام المنصف والمعقول للمياه الآخذ في الاعتبار الحاجات الاجتماعية والاقتصادية لدول حوض نهر النيل والسكان الذين يعتمدون على موارده وعوامل أخرى تزكي نظرياً زيادة حصة مصر. وثاني تهديد وجودي شبح العجز عن توفير الغذاء.
ورغم التأكيد في إعلان المبادئ على اقتصار استخدام سد النهضة على توليد الكهرباء، إلا أن حجمه وقدرته على تخزين المياه (٧٤) مليار متر مكعب يومئ بقوة إلى احتمال استخدام الفوائض المائية في الزراعة.
ووفق الدكتور «محمود أبو زيد» وزير الري الأسبق في دراسة غير منشورة، فإن من آثار سد النهضة انخفاض الإنتاج الزراعي على نحو يضرب الأمن الاجتماعي بقسوة.
فإذا ما نقصت مياه الزراعة بخمسة مليارات متر مكعب يصل إجمالي الخسائر إلى أكثر من (٧٥) مليار جنيه مصري. وإذا ما نقصت بعشرة مليارات متر مكعب فإن تلك الخسائر تتجاوز (١٥١) ملياراً، فضلاً عن النقص في توليد الكهرباء، وتهميش دور السد العالي، والإضرار بالثروة السمكية، وتصحر الأراضي الزراعية.
هنا يتداخل الأمنان المائي والاجتماعي بما يذكر ب«الشدة المستنصرية»، التي احتفظت بمآسيها، وفواجعها، ومجاعاتها ذاكرة التاريخ.
في مثل هذه الأوضاع يدخل الإرهاب على الخط، وهو تهديد وجودي ثالث، حيث يستهدف أمن المجتمع وضرب ثقته بنفسه.
تلك أوضاع خطرة لأزمات وجودية قد تتفاقم إذا لم يكن المجتمع شريكاً كاملاً في تحمل مسؤولية الموقف.
التصعيد بلا أفق سياسي مقامرة خاسرة سلفاً، كما أن الكلام العشوائي عن عمل عسكري يسحب أي تعاطف إفريقي مع مصر حتى لو لم يكن كافياً، فلكل حدث حديث.
ما تحتاج إليه مصر الآن أن تصارح نفسها بالأسباب التي أدت إلى ما وصلت إليه، وأن تستدعي أفضل ما فيها من كفاءات في مجالات السدود والري والزراعة والقانون الدولي والأمن القومي للتوصل إلى استراتيجية كفؤة تواجه السيناريوهات الحرجة من دون استبعاد خيار واحد.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى