قضايا ودراسات

حقوق الإنسان في مهب ريح تغير المناخ

زيدون فلاح*

يعتبر تغير المناخ من أحد التحديات الرئيسية في عصرنا، حيث يضيف ضغطاً كبيراً على مجتمعاتنا وعلى البيئة. فالآثار العالمية لتغير المناخ هي واسعة النطاق ولم يسبق لها مثيل من حيث الحجم، حيث يمثل ارتفاع درجات الحرارة تهديداً خطيراً لثلوج المنطقة القطبية وبالتالي ارتفاع منسوب مياه البحار.
أدى التوجه نحو تطوير الصناعة في الأعوام الـ 150 المنصرمة إلى استخراج وحرق مليارات الأطنان من الموارد الأحفورية، والتي بدورها تقوم بإطلاق غازات تحبس الحرارة كغاز ثاني أوكسيد الكربون وغاز الميثان وغيرهما، وهي من أهم أسباب تغير المناخ، وتشير بعض الدراسات إلى أن كميات هذه الغازات تمكنت من رفع درجة حرارة كوكب الأرض إلى (0.85) درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، رغم وجود دراسات أخرى تؤكد أن مستوى الارتفاع أعلى من هذا الرقم وقد يصل إلى (1.4) درجة مئوية.
إن قيام الثورة الصناعية قد أدى إلى إحداث تغييرات واضحة على البيئة ما أثر في مستقبل الجنس البشري والكائنات الحية الأخرى، وخلال قرون طويلة مضت قبل قيام الثورة الصناعية، عاش الإنسان بوئام وتناغم مع المصادر الطبيعية للأرض، ولكن حالة الوئام تلك ما لبثت أن انتهت وتلاشت بسبب قيام المدن ونشوء مجتمعات تعتمد على الزراعة المكثفة التي تحقق فائض الإنتاج، كما أن زيادة عدد السكان أدت بدورها إلى التوسع في الإنتاج وبلوغه مرحلة التصنيع.
وتلك الأمور بمجملها أدت إلى تغير شعور الإنسان تجاه الطبيعة والبيئة المحيطة، فأصبح مالكاً لها مسيطراً عليها ويتحكم فيها ويستغلها بطريقة غير متوازنة، متمادياً في حقه باستغلال الثروات الطبيعية، متناسياً واجبه تجاه الأجيال اللاحقة بعدم المساس بحقهم في تلك الثروات، وبذلك أخلّ بمفهوم التنمية المستدامة بطبيعة الحال، إذ يشكل تغير المناخ تهديداً للتنمية المستدامة بل إنه يشكل في بعض الحالات تهديداً لبقاء البشرية. فهو قد يؤدي إلى تفاقم المجاعة والاضطرابات السياسية والنزاعات حول الموارد، كما أن له آثاراً غير متناسبة في النساء والفقراء والشعوب الأصلية والفلاحين التقليديين والمجتمعات الساحلية والمهاجرين. فقد ناقش مجلس حقوق الإنسان في دورته التاسعة والعشرين التي عقدت في جنيف في شهر حزيران 2015 مواضيع محددة ذات صلة بحقوق الإنسان وتغير المناخ، وقد أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقريراً إلى الدورة ال ٢٩ يقدم مجموعة من التوصيات المتعلقة بهذا الموضوع، أبرزها التدابير وأفضل الممارسات في مجال تعزيز وحماية حقوق الإنسان، التي يمكن أن تعتمدها الدول في التصدي للآثار الضارة لتغير المناخ على التمتع الكامل والفعلي بحقوق الإنسان. كما طالب خبراء ومقررون أمميون في مجال حقوق الإنسان الأحد 5-11-2017 عشية انعقاد مؤتمر المناخ 23 في بون، بضرورة أن تكون حقوق الإنسان عنصراً أساسياً وفي صدارة تطبيق اتفاق باريس بشأن تغير المناخ، داعين إلى عقد مؤتمر دولي كبير لهذا الغرض.
وقال الخبراء: إن المبادئ التوجيهية لاتفاق باريس للمناخ 21 ينبغي أن تركز أيضاً على التنمية المستدامة وأن يركز مؤتمر بون على المبادئ التوجيهية لكيفية تنفيذ اتفاق باريس.
وأكدوا على أن اتفاق باريس يعد اعترافاً عالمياً مهماً بالآثار المدمرة لتغير المناخ على حقوق الإنسان وعلى الأهمية الأساسية لحقوق الإنسان في مواجهة هذا التحدي العالمي، مطالبين بضرورة أن يتم تحويل هذا الاعتراف إلى خطوات للأمام لتنفيذ الخطة وخلق مستقبل مشترك ومستدام وأن يتعاون الجميع معاً من حكومات ومنظمات مجتمع مدني ومجتمعات محلية وأفراد لتحقيق هذا الهدف.
وفي إطار الحديث عن حقوق الإنسان تجدر الإشارة إلى حقوق المدافعين عن البيئة، فقد شهدت أروقة مؤتمر بون 23 للمناخ العديد من الندوات التي أقامتها المنظمات البيئية والحقوقية العالمية والتي أكدوا فيها على أهمية الدفاع عن حقوق المدافعين عن البيئة حول العالم، وتقدر المنظمة غير الحكومية الشاهد العالمي أن أكثر من 900 شخص ماتوا خلال العقد الماضي وهم يدافعون عن الحقوق البيئية والحقوق في الأراضي.
من جانبٍ آخر، ذكر تقرير صادر عن البنك الدولي أواخر العام 2014 أن نتائج تغير المناخ ستكون «كارثية» على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ إن بعض الدول العربية ستسجل أعلى مستوى زيادة في ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة، وسيزداد عدد الأيام الحارة إلى 126 و132 يوماً في السنة على التوالي، وهذا ما سيجعل فصل الصيف طويلاً وحاراً للغاية.

*ناشط بيئي
zelove.zf@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى