قضايا ودراسات

داعشية مستترة

د. حسن مدن

في الوقت الذي تصفي فيه القوات المسلحة العراقية آخر جيوب التنظيم الإرهابي «داعش»، وتعيد آخر ما تبقى تحت سيطرته من أراضٍ إلى سيطرة الدولة، ويحتفل العراقيون، بمختلف انتماءاتهم، بهذا الانتصار، متطلعين إلى توظيفه في عملية إعادة توحيد المجتمع العراقي على قاعدة الوحدة الوطنية ونبذ المحاصصة الطائفية، وصون النسيج الوطني من كافة أوجه التفكك، وأيضاً باجتثاث التفكير الداعشي، في كافة صوره ومظاهره، فالداعشية هي فكرة قبل أن تكون دولة أو ممارسة، يصوت البرلمان العراقي بصورة مبدئية على مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية النافذ. وهذا ما اعتبرته القوى المدنية والحركة النسوية في العراق والهيئات الدولية المعنية بحقوق المرأة نكسة للمرأة العراقية وإهانة لمكانتها وحقوقها الإنسانية والقانونية والدستورية، ورأوا أن تعديل القانون هو لإعادة إنتاج قانون الأحوال الشخصية الطائفي الذي يبيح زواج القاصرات ويفرق بين العراقيين على أساس الدين والطائفة، وكونه يشكل انتكاسة مجتمعية وممارسة شكل من أشكال العنف ضد المرأة وانتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان.
هل هذه أولويات برلمان في بلدٍ خاض حرباً ضد فكر ظلامي يبيح سبي النساء وبيعهن واغتصابهن، في الوقت الذي يتعين فيه عليه وعلى كافة هيئات الدولة أن تتجه نحو مداواة المجتمع من الجروح النازفة من البطش الداعشي ومحاصرة وتجفيف منابع فكره، والمضي على طريق بناء دولة مدنية لا مكان فيها للتطرف والطائفية، تضمن المساواة والحقوق المتكافئة لا بين مكونات الشعب فقط، وإنما أيضاً بين الجنسين، النساء والرجال. ألم يجد البرلمان بالغالبية التي صوتت على مشروع التعديل، ما ينشغل به سوى فرض المزيد من القيود على المرأة، والنيل من حقوقها كإنسانة وكمواطنة؟
ألم تكن الجرائم التي ارتكبها «داعش» بحق العراقيات عامة، ونساء الأقليات خاصة من إيزيديات ومسيحيات وسواهن، درساً قاسياً يتعلم منه هؤلاء النواب أن تحقير المرأة والنيل من مكانتها بأي وجه من وجوه الازدراء والتهميش هما، في جوهرهما، داعشية مستترة، وأن مثل هذه النظرة تقود إلى ممارسات لا تختلف عن تلك التي سوّغها «داعش» أو اقترفها؟
كانت محاولة سابقة قد جرت لتمرير ما عرف بمشروع «قانون الأحوال الجعفري»، جوبهت بحملة استهجان ورفض شعبيين واسعة، فأراد أصحاب هذا المشروع التحايل على هذا الفشل بمحاولة تعديل قانون الأحوال الشخصية المعمول به حالياً، الذي يعود إلى خمسينات القرن الماضي، بعيد قيام الجمهورية العراقية، في نوع من التمادي في فرض تشريعات ذات صبغة مذهبية في مجتمع متعدد الطوائف والأديان، وعلى خلاف نصوص الدستور العراقي، وما استقرّ من أعراف وقواعد دولية، تضمن كرامة المرأة وتصون حقوقها، وتعلي من مكانتها في المجتمع كشريك كامل الندية للرجل في الحق والواجب.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى