قضايا ودراسات

رحلة الخريف من فرانكفورت إلى الشارقة فشرم الشيخ

د. مصطفى الفقي

اعتدت في نهاية كل صيف أن أرتاد إحدى المدن الأوروبية قبل أن يحل الشتاء وفي هذا العام اقتضت ظروف رحلة علاجية لزوجتي أن أرافقها إلى مدينة (فرانكفورت) الألمانية وكانت رياح الخريف تعبر الأجواء في تمهيد طبيعي لفصل الشتاء، وقد تفضلت القنصل العام السفيرة إيمان محرم ونائبها المستشار محمود عزت بدعوتي للقاء مفتوح مع المصريين المقيمين في تلك المدينة.
ولابد أن أذكر هنا أن المصريين في الخارج يكونون دائماً أكثر ارتباطاً بالوطن وتعلقاً به، ولقد عرفت ذلك منذ كنت سفيراً لبلادي في العاصمة النمساوية قبل أكثر من عشرين عاماً، فلقد تركزت أسئلة الحاضرين حول الوطن وهمومه والشعب ومشكلاته، وقد لاحظت لديهم درجة كبيرة من الوعي مع قدر لا بأس به من المعلومات وإن كان بعضها يحتاج إلى تصحيح لابد منه. وامتد اللقاء لأكثر من ساعتين اكتشفت خلاله تلك النوعية المتميزة من المصريين في الخارج والمعنيين بالوطن وقضاياه وآمنت أن المصري في الاغتراب يكون أكثر حساسية تجاه الأوضاع في بلده وأشد اهتماماً بشؤونها، فالوطن لا يبرحنا أينما ذهبنا. ولقد ركز الحاضرون في الحوار على الأوضاع في المنطقة واستهداف مصر من جانب التنظيمات الإرهابية في سيناء وقرب الحدود الليبية أيضاً، فضلاً عن الجرائم الدنيئة التي ترتكب في حق العسكريين والمدنيين في أنحاء البلاد.
وبعد أن قضيت في العاصمة الألمانية أسبوعاً اتجهت إلى إمارة الشارقة في دولة الإمارات تلبية لدعوة كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وهو عاشق لمصر يتميز بالوفاء لها والحرص عليها، ولقد فاجأنا الرجل في خطاب افتتاح معرض الكتاب السنوي وأمام حشد من جميع الجنسيات بالحديث عن مصر وحدها مهنئاً باستعادة الضابط الأسير وقدرة القوات المسلحة المصرية على ضرب أوكار الإرهاب وكان حديثه من القلب إلى القلب بل إنه بدا لنا جميعاً مفاجأة قوية بسبب عمق المشاعر ووضوح الموقف والوفاء الشديد لوطنه الثاني مصر الذي عاش فيها ودرس في جامعاتها، ثم جرى الإعلان عن اختيار د.محمد صابر عرب – وزير الثقافة المصرية الأسبق – باعتباره شخصية العام في المعرض السنوي للكتاب، ولقد بدأ الدكتور عرب يلقي كلمته ثم جاء حديثه عن مصر فاحتبست في حلقه الكلمات وغلبت عليه دموعه وبدا اللقاء في مجمله وكأنه مظاهرة في حب مصر، ولقد دعانا صاحب السمو حاكم الشارقة – د. صابر عرب وأنا – إلى حوار مشترك بيننا في ندوة عامة بحضوره شخصياً وقد دار موضوع الحوار حول العلاقة بين الديمقراطية والثقافة وأجبنا فيه على أسئلة الحاضرين من مختلف الجنسيات وعلق عليه حاكم الشارقة برؤية موضوعية تكشف عن ثقافته وعمق رؤيته. وما أن أنهيت مهمتي في الشارقة إلا وأخذتني الطائرة إلى الوطن عائداً ومتجهاً في اليوم التالي إلى مدينة السلام (شرم الشيخ) حيث المنتدى الدولي للشباب الذي كان بحق – ودون مبالغة أو نفاق – هو الأفضل بين كل المؤتمرات التي عقدناها في السنوات الأخيرة. فقد تألق الشباب كما لم يحدث من قبل وحضر الرئيس كل جلساته تقريباً، واستمر المؤتمر قرابة خمسة أيام من الصباح إلى المساء وحضرته شخصيات من مئة وعشر دول حيث يبدأ التمثيل فيها من رؤساء دول وحكومات ووزراء إلى شباب واعد من الأجيال الجديدة في أوطانهم. ولقد دعيت للمشاركة في الجلسة الأولى حول موضوع (صدام للحضارات أم تواصل!؟) مشتركاً مع الأمير الحسن ولي عهد الأردن الأسبق والأثري المصري د. زاهي حواس والأكاديمي الأمريكي شبل تلحمي فضلاً عن بعض الشخصيات من جنسيات أخرى، ولقد عبرت في ذلك اللقاء عن رفضي الكامل لنظرية صراع الحضارات وأوضحت أنها تتعارض كلياً مع مفهوم العولمة على الرغم من أن كليهما قد جاء من مصدر واحد وهو الفكر الغربي المعاصر، ثم أوضحت أن التعددية الإنسانية لا تعني أبداً أن يكون الناس مختلفين إلى حد الصدام بل إن التعايش المشترك في الوطن المصري عبر التاريخ هو علامة مضيئة في هذا الشأن، وقلت أمام المؤتمر: إن في القاهرة وحدها سبعة معابد يهودية صالحة لممارسة الشعائر، وقد صحح لي الدكتور حواس العدد قائلًا: بل هم تسعة، وهو الأدرى بالتأكيد بحكم تخصصه وترميمه لعدد منها عندما كان أميناً للمجلس الأعلى للآثار ثم وزيراً لها، وقد تساءلت قائلًا: إن من يريد أن يعرف تحضر الشعب المصري ورقيه فليدرك أنه لم يمس مواطن مصري واحد أي من هذه المعابد اليهودية حتى في أعوام (1948 – 1956 – 1967 – 1973) لأننا نؤمن أن مشيئة الله هي التي أدت إلى التنوع، ولو شاء لجعلنا أمة واحدة، فهو الذي قال (يَا أَيّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) صدق الله العظيم.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى