قضايا ودراسات

الأطفال وضمير العالم

مارلين سلوم

على موائد العالم تطرح قضايا كثيرة، حيث «السياسة» هي الطبق الرئيسي، ومصائر الشعوب تتحدد وفق المذاق. وعلى تلك الموائد لا تُعتبر شؤون الأطفال هي الأهم، وربما تبقى خارج القائمة لأنها «قضايا صغيرة». الكبار هناك يفبركون المآسي ويصنعونها، فيأكل منها الصغار لتعلق مرارتها في الحلق مدى الحياة.
«إنه عام الأطفال» وفق ما حددت منظمة «اليونيسف»، فهل سيصير العالم أكثر براءة وسعياً نحو تحقيق السلام؟ وأمس كان اليوم العالمي للطفولة، فهل اهتز ضمير «العالم» حين قرأ الأرقام المخيفة التي تعرّي حقيقة الإنسان الفاقد لإنسانيته، والمتجه بكل قوته نحو الإرهاب والعنف والحروب وتشريد الأطفال من بيوتهم ليصيروا «أبناء مخيمات»، لاجئين على أبواب الدول، طامعين بعيش كريم؟
ماذا تعني تقارير «اليونيسف» في مثل هذه المناسبات؟ ألا نرى فيها انتكاسة للبشرية في عصر التطور التكنولوجي الكبير، والثورات العلمية، والاختراعات؟ زمن يحقق فيه الإنسان أحلاماً كثيرة ويتقدم بشكل مذهل في الذكاء الاصطناعي، بينما يحجب في جزء منه عن الصغار فرصة أن يكبروا بشكل آدمي، ويقطع أمامهم كل سبيل لتنمية ذكائهم «الطبيعي»، والتعلم على مقاعد الدراسة؟
القضية ليست قضية أطفال مخيمات فقط، بل قضية عالم يزداد عنفاً وتوحشاً حتى داخل البيوت. هناك أم وأب يحرمان أطفالهما من الذهاب إلى المدرسة «نكاية» ببعضهما البعض، وحالات عناد وقسوة في الأمومة والأبوة يدفع ثمنها الصغار. وهناك 300 مليون طفل حول العالم، ما بين العامين والأربعة، يتعرضون للاعتداء النفسي والعقاب الجسدي من قبل من يتولون مسؤولية تربيتهم. والعقاب لا يعني تهذيب السلوكيات بشكل موزون وطبيعي، بل تعنيف وهدم للمعنويات والروح، تماماً وكأنك تهد هيكلاً لتصنع منه ركاماً مهملاً. لكن هذا الركام «إنسان» لديه عقل ويستطيع التحرك والتصرف، لذلك يتحول بدوره إلى مخلوق عدائي عنيف يهدم الآخرين، ويمارس عليهم ما يمارَس عليه وأكثر.
بعض الدول مثل الإمارات تحتفل باليوم العالمي للطفل ليس من باب «المسايرة العالمية»، بل لأنها تضع الأطفال وقضاياهم على رأس أولوياتها، تسن القوانين لتضمن حمايتهم، وتسعى لتحسين أحوالهم في الداخل والخارج لأنهم المستقبل، كما تحتضن الشباب ومشاريعهم.
مؤسف أن نجد بعض البيوت لا تصلح لتربية الأطفال، بيئة غير مؤهلة للمساهمة في بناء مجتمع سليم. فكيف تؤهلها وتعيد بناءها من جديد؟ سؤال يجب أن يكون على كل الموائد إذا أردنا أن نصلح أحوال المجتمعات ومعالجة سلوكيات الأطفال لبناء مجتمعات سليمة ولأجل مستقبل ناجح.
وبعض تحديات العصر تقدم العنف على أطباق من ذهب للأطفال، فكيف تحميهم منها لتجعل منهم مخترعين عباقرة وأذكياء يتنافسون لإبهار العالم وتحسين أحواله، لا القضاء على ما تبقى منه؟ كيف توجه عقول الصغار وتحميهم في زمن الحروب التكنولوجية، وتقطع الطريق أمام الإرهاب كي لا يصل إليهم، بينما أنت مشغول بالموائد السياسية الضخمة والقضايا التي يخترعها بعض الكبار لينشغل بها العالم وتمر من تحته كل المخططات السرية؟

marlynsalloum@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى