قضايا ودراسات

الكتاب ووسائل التواصل

د. حسن مدن

هل تراجع الكتاب أمام الـ «سوشيال ميديا»؟ وهل غيّرت هذه الأخيرة من طبيعة علاقتكم بالكتاب؟
هذان سؤالان وجهتهما لي إحدى الصحف مؤخراً في نطاق استطلاع أجرته حول الموضوع نفسه، وليست هذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها السؤالان، اللذان هما اليوم، بجدارة، في صدارة النقاشات حول الآثار التي يمكن وصفها بالمتعارضة، وحتى المتناقضة، لوسائل الاتصال على علاقتنا بتلقي المعرفة.
بالنسبة لي شخصياً، لا يبدو في الظاهر أن هذه الوسائل أثرت في علاقتي بالكتاب، حيث إنني ما زلت أفضل، للقراءة، الكتاب المطبوع، وما زلت أقتني الكتب المختلفة، كما كنت أفعل في السابق، عندما لم تكن وسائل الاتصال هذه بهذا الشيوع والتأثير. ولست ميالاً، إلا في حالة الضرورة، لقراءة الكتب على الحاسوب أو «الآي باد»، ناهيك عن الهاتف الجوّال بشاشته الصغيرة، غير المريحة لقراءة متأنية وطويلة.
في محيطي الضيق، حين أراقب طريقة تعاطي ابني وابنتي مع الموضوع، وهما على علاقة جيدة، في المجمل، مع مسألة القراءة، ربما ألاحظ بعض الفروقات، من حيث قابليتهما أكثر مني للقراءة من على هذه الوسائط، ولكني بالمقابل، أجدهما حريصين على اقتناء الكتب، في صورتها التقليدية، أي المطبوعة، وبالتالي يبدو لي أنه من المبكر القول إن زمن الكتاب المطبوع قد ولى من غير رجعة، ولنا في الإقبال المتزايد على معارض الكتب دليل يعتد به، مع ضرورة التفريق، طبعاً، بين اقتناء الكتاب وقراءته، فعدد من يشترون الكتب من المعارض والمكتبات، هو أكبر، بما لا يقارن، مع الذين ينكبون على قراءته.
لكن كل هذا لا يقلل من وجاهة السؤالين اللذين طرحتهما الصحيفة، لأن الأمر يتخطى مسألة أن المطابع، عبر العالم، ما زالت تضخ سنوياً عشرات الآلاف من العناوين الجديدة بمختلف اللغات، وأن معارض الكتب ما زالت تعج بالرواد، ولم يكف الناس عن ارتياد المكتبات، كما كان أسلافهم يفعلون.
المسألة تقع في مكانٍ آخر، قد لا يجد الالتفات الكافي من قبلنا، وهو كم الوقت الذي ننفقه ونحن «أسرى» وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، فنحن في صورة من الصور بتنا عبيداً لهذه الوسائل، التي لا نبالغ لو وصفناها بـ«العبودية الجديدة»، على غرار ما كانت، وما زالت، السلع توصف به، حيث إننا، بالمقارنة، مع أجيال سابقة عانت من العوز والندرة، أصبحنا بالفعل عبيداً للسلع المتنوعة نلهث وراءها.
كي لا نخرج عن الموضوع، أعود للقول إن الإجابة عن سؤال الصحيفة عما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد غيّرت علاقتنا بالكتاب ستكون بنعم كبيرة، فكم كبير من الوقت كنا نقضيه في القراءة، في ما سبق، أصبح يُبدد على متابعة الكثير من «التوافه» التي تردنا عبرها. وربما كانت للحديث تتمة.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى