قضايا ودراسات

التلاعب بجينات التاريخ

عبداللطيف الزبيدي

متى يحلّ العرب بأنفسهم ألغاز ماضي ما هو العالم العربيّ
اليوم؟ بعبارة أشدّ إيلاماً: هل نحن نعشق التراث والتاريخ حقّاً؟ للشرح والإيضاح: ميادين معرفة ما مضى من الزمان هي: علم طبقات الأرض، الأنثروبولوجيا، التاريخ، علوم اللغة في نطاق نشأة اللغة وتجذير مفرداتها.
هذه الرباعيّة، التي هي المنظومة المعرفيّة العلميّة لكل ما وجد على الأرض العربية اليوم منذ أقدم العصور، تركنا أمر اكتشاف صورها القريبة والبعيدة لغير العرب، حتى غدت البحوث والدراسات العربية غير قادرة على أن تخطو أدنى خطوة، من دون الاعتماد على جهود البريطانيين والألمان والفرنسيين والإيطاليين والروس والأمريكيين وغيرهم. أليس دعابة سوداء وسخرية لاذعة، أن تُصادف أحد أولئك في مسقط رأسك، فيلقي عليك محاضرة يكشف فيها أسرار تاريخ قريتك أو بلدتك وما قبل تاريخها؟ أنت تتكلّم لغتك قطعاً، ولكن الأوروبيين هم الذين سهروا الليالي على التنقيب عن أصولها وتشابكاتها مع اللغات الساميّة والأفروآسيويّة وما سواها، بل أنت عاجز حتى عن استجلاء مواطن الخطأ والصواب في تحقيقاتهم وبحوثهم، بل أنت في غفلة عن الجهات الأخرى التي تسيء استغلال تلك الدراسات العلميّة الأكاديميّة الرائعة، في مخططات جهنميّة لإثارة الفتن بين مكوّنات خريطة سيادتك الترابيّة.
بشيء من الوخز التوعوي، هل لدينا إدراك علميّ للماضي وميراثه؟ هل نحن قادرون على فهم أنه هو الحمض النوويّ الجمعيّ، الذي يحمل شيفرة السلوكيّات التي تتحكّم في تصرّفات أدمغتنا اليوم؟ ما يدعو إلى التفكير العميق التحقيقيّ هو أن القوى الخبيرة العليمة بتفاصيل سلوكنا الذهنيّ بذلت جهوداً جبّارة في التلاعب بجينات تاريخنا، فجعلتنا نرى المضيء فيه مظلماً، والدّاجي فيه منيراً. ببساطة: سوء فهم الماضي وميراثه، أدّى إلى خراب العالم العربيّ. ليس غياب العقل الناقد وحده مسؤولاً، وإن كان كارثة على الصعيد السياسيّ بكل أبعاده. غياب تربية العقل العلميّ فاجعة اقتصادية. الماضي ثروات لم يعرف العرب قدرها. التاريخ الجيولوجيّ كنوز موارد طاقة وموّاد أوليّة. الطبيعة قضت ملايين السنين في تحويل الكائنات البحرية والغابات إلى موادّ عضوية صنعت منها النفط والغاز، وظلت في انتظار القرن العشرين، ليكتشفها الغربيون، من الماء إلى الماء، ويبيعها العالم العربيّ كبضاعة حتى نفاد الكميّة، ويشتروا بها أسلحة متطوّرة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الموضوعيّة: نعيب غزاتنا والعيب فينا.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى