قضايا ودراسات

فن تدارك الأزمات

خيري منصور

قد تكون مفردة الأزمة بحد ذاتها غير دقيقة في معظم السياقات التي ترد فيها، لأن الأزمة تعني أن ما كان قبلها هو الانفراج، والحقيقة أن معظم الأزمات العربية تناسلت من بعضها، ولم تكن مسبوقة بأي انفراج!
ومن يتحدثون عن إدارة الأزمات أو ما يسمى خلاياها، نادراً ما يتذكرون أن تدارك وقوع الأزمة أهم بكثير من إدارتها عند انفجارها! تماماً كما أن الأولوية المنطقية والأمنية للجرائم هي استباقها وإجهاضها وليس فقط معاقبة من يقترفونها!
ولكل أزمة حِرباء وضفدع كما ورد في الحكاية العربية الحكيمة، الحرباء تفحّ لإشعال المزيد من النار والضفدع تنقل قطرات من الماء لإطفائها. والحقيقة أن ما يقوم به هذان الكائنان لا يشعل ولا يطفئ ويبقى في نطاق النوايا والتعبير الرمزي عن المواقف من الأزمات.
وفي عالمنا العربي هناك من يمكن تسميتهم فقهاء التأزيم، بحيث تحولت مصائب الآخرين إلى فوائد لهم، وبمعنى آخر تحول فقه التأزيم إلى نمط إنتاج جديد، يتولاه أناس لا يطيقون البطالة عن دورهم في إشعال الحرائق، وتحويل الحبة في بعض الأحيان إلى قبة. لهذا كان تفاقم الأزمات وانفجارها المتعاقب هو البديل لانفراجاتها، ولم يؤد اشتداد الأزمات كما يقال في الأمثال إلى انفراجها! بل إلى تفريخ أزمات جديدة، تماماً كما تلد الحرب حروباً!
لكن تدارك الأزمات ليس ميسوراً لأصحاب النوايا الطيبة، لأنه يتطلب دراية بأدق التفاصيل ويقرأ الظلال وما بين السطور وما وراء الأكمات والكواليس، وقد لا يكون هذا كله متاحاً في غياب الشفافية وشحة المعلومات.
وحين حاولت الأمم المتحدة إنشاء لجنة من الخبراء في المجالين الدبلوماسي والنفسي مهمتها تدارك الأزمات لم تحصد غير القليل من النتائج، فالطبيب يحتاج مريضاً يصْدقه القول ويتفاعل معه كي يشفيه، ولا يكون مسؤولاً عن الفشل إذا أنكر المريض حقيقة مرضه حتى لو كان أبو قراط!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى