قضايا ودراسات

محاكم قراقوش «الإسرائيلية»

نبيل سالم

على الرغم من براءة قراقوش مما ينسب إليه، وتلك الأمثال والقصص التي تروى عنه، ومنها، أنه أصدر ذات يوم حكماً بشنق رجل قصير القامة، وأنه عندما رأى أن الحبل لا يصل إلى رقبته، أمر بإحضار رجل طويل القامة وشنقه بدلاً منه، إلا أن هذا الحكم القراقوشي المزعوم يبدو أقل غرابة من محاكم الاحتلال «الإسرائيلي» وأحكامه المنافية لكل منطق وقانون، فها هي ما تسمى بالمحكمة المركزية «الإسرائيلية» في القدس، تصدر حكماً على الطريقة القراقوشية يقضي بإلزام السلطة الفلسطينية ومنفذي عملية قتل خلالها ثلاثة «إسرائيليين» بدفع مبلغ 62 مليون شيكل، «تعويضاً» لعائلات القتلى.
أما العملية التي صدر الحكم فيها فقد وقعت حسب المزاعم «الإسرائيلية» في عملية إطلاق النار على شارع 443، يوم 1 آب/ أغسطس 2001 خلال انتفاضة الأقصى، وقتل خلالها ثلاثة «إسرائيليين»، فيما وجهت تهمة تنفيذ العملية لستة أسرى هم: أحمد طالب البرغوثي، ومحمد عبد الرحمن مصلح، وحسام عقل شحادة، وهيثم المتفق حمدان، وفارس صادق غانم، وعلي عليان.
وجاء في قرار المحكمة «الإسرائيلية» بأنه نظراً لوجود اختلاف بين المنفذين والسلطة الفلسطينية حول المسؤولية عن تنفيذ هذه العملية، تقرر أن تدفع السلطة الفلسطينية 40% من المبلغ أي ما قيمته 24.8 مليون شيكل، فيما يدفع المنفذون الستة بقية المبلغ وهي 37.2 مليون شيكل، على أن تخصم أتعاب المحامين ونفقاتهم القانونية من هذا المبلغ.
حكم قراقوشي بامتياز، إذ كيف يطالب الاحتلال بالتعويض عن ثلاثة قتلى «إسرائيليين»، هم مجرد مستوطنين، أي محتلين لأرض الغير، ويتناسى كل الجرائم التي ارتكبها قادة الاحتلال الغاصب على مدى عشرات السنين، ومن يعوض أهالي مئات الآلاف من الشهداء الفلسطينيين الذي استشهدوا في اعتداءات الاحتلال على مدى سنوات الصراع الطويلة، وأهالي آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يقبعون في زنازين الاحتلال ؟.
يحق لأهل مستوطن قتل بسلاح مقاوم فلسطيني أن يطالبوا بالتعويض، ولا يحق لشعب كامل مضطهد أن يطالب بالتعويض، أو حتى الذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإن فعل فإنه سيعرض مهزلة ما تسمى عملية السلام والمفاوضات للخطر.
تتذرع الإدارة الأمريكية بعدم إعطائها ترخيصاً لمكتب منظمة التحرير في واشنطن، بارتكاب السلطة الفلسطينية لأخطاء تصل إلى مستوى الجرائم، عندما تدعو المحكمة الجنائية الدولية، أو غيرها من المحافل الدولية لإنصاف الشعب الفلسطيني، أما ما يفعله الصهاينة صباح مساء على مرأى ومسمع من العالم كله، من جرائم فهو أمر يراد لنا أن نعتبره جزءاً من عملية سياسية معقدة لها أحكامها وضروراتها القراقوشية.
والأنكى من كل ذلك أن حكم المحكمة «الإسرائيلية» هذه أو غيرها، يأتي في الوقت الذي تستأنف فيه السلطة الفلسطينية، ما يسمى بالتنسيق، الذي يعد سابقة نادرة في تاريخ حركات التحرر العالمية، والفلسطينية بشكل خاص، حيث يلزم المحتلة أرضه بالتنسيق والتعاون الأمني مع محتلي أرضه، ومغتصبي حقوقه الوطنية.
ولكن ما يجري في الواقع يقودنا إلى بيت الشعر القائل:
من يهن يسهل الهوان عليه.. ما لجرح بميت إيلام
فمن يقبل التنسيق الأمني مع الاحتلال، ويكبل نفسه باتفاقات غير منصفة ومذلة، لا يستطيع التنصل من قوانين الاحتلال القراقوشية، وعليه فإن على السلطة الفلسطينية التي تقول إنها تمثل الشعب الفلسطيني، أن تنهي تلك المهزلة التي تسمى تنسيقاً أمنياً، قبل أي شيء آخر إن أرادت أن تضطلع بتمثيل الشعب الفلسطيني بجدارة والتعبير عن مصالحه بصدق وأمانة، لاسيما أن سنوات الصراع الطويلة أثبتت أن الاحتلال ، لن يشبع أبداً من التنازلات الفلسطينية، وأنه كلما حصل على تنازل طالب بآخر، وإذا ما استمرت التنازلات الفلسطينية، فقد يأتي اليوم الذي يطالب فيه «الإسرائيليين» بتعويضهم، عن آلاف السنين التي عاشها الشعب الفلسطيني في أرضه وأرض أجداده باعتبارها تمثل اعتداء على «حقوق الصهاينة التاريخية والأزلية» في فلسطين!.

nabil_salem.1954@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى