غير مصنفة

اكتشاف القارات المكتشفة

د. حسن مدن

العبارة، في العنوان، قرأتها في مكانٍ ما على لسان أحد الكُتّاب، لا تسعفني الذاكرة بتذكر اسمه، ولكن لا علاقة لها، من بعيد أو قريب، بالجغرافيا ولا بالقارات التي نعرفها في العالم، فالحديث الذي وردت في سياقه، كان عن دور الأدب، الأدب العظيم والرفيع تحديداً، في اكتشاف عوالم الإنسان الداخلية، بالولوج إلى روحه، والتعرف على هواجسه وآماله وانكساراته، وعلى ما يجعله مقداماً وحازماً، أو متردداً وخائفاً.
ذلك هو دور الكاتب، أن يجعل من ذات الإنسان – الذات، قارة بكراً، بحاجة لمن يجول في مجاهلها، يذهب عميقاً في طرقاتها المتعرجة، المتداخلة، التي قد تقودنا إلى مكان ما، وقد تفعل العكس، بأن تجعلنا نتوه، فلا نعلم أين هي طريق العودة إلى النقطة التي منها انطلقنا، فعالم الإنسان الداخلي، وإن بدا صغيراً، هو قارة بكاملها، وعلى هذا قد يصح القول المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب: «وتحسب أنك جرمٌ صغير.. وفيك انطوى العالم الأكبر».
كيف يفعل الأدب ذلك؟ على خلاف ما يظن من أن الكاتب يفعل ذلك بقراءة مجردة للواقع، فإن الأمر أكثر تعقيداً. صحيح أنه على الأديب أن يمعن النظر في الواقع من حوله ليغرف منه المادة الخام الضرورية لشغله، ولكنها تظل مجرد مادة خام، إن لم تسعفها المخيلة الخصبة فإنها لن تغدو أدباً، أو على الأقل لن تغدو أدباً مقنعاً.
بين أفضل من شرحوا هذه الفكرة كان مكسيم جوركي الذي وصف فن الإبداع الأدبي بأنه «فن خلق الشخصيات والنماذج»، الذي يتطلب خصب الخيال والحدس والقدرة على الخلق، فالأديب الذي يصور تاجراً يعرفه أو موظفاً أو عاملاً، فإنه سيرسم ولا شك صورة ناجحة بهذا القدر أو ذاك لهذا الشخص بالذات، ولكن الصورة تبقى صورة ليس إلا، فبتجريده لها، حسب جوركي، من المعاني الاجتماعية والتربوية، فإنها لا توسع مداركنا ولا وعينا حول الإنسان والحياة.
لكن إذا استطاع الكاتب أن يُكبر من كل عشرين أو خمسين أو مئة تاجر وعامل وموظف صفات هذه الشخصيات من حيث العادات، الأذواق، الحركات، العقائد والأساليب.. إلخ، بحيث يجمع كل هذا في شخص واحد يمثل هذه الشريحة أو تلك، فإنه يكون، بذلك، قد نجح في خلق «النموذج»، وهذا هو الفن بعينه.
الحديث هنا يدور عن أمرين، وربما حاستين مختلفتين، هما: الوعي والتخيل. لا غنى لنا عن الوعي من حيث هو إدراك وقوة في المراقبة والإدراك والمقارنة، أما التخيل، فحتى لو كان تفكيراً أيضاً شأنه شأن الوعي، فإنه يعتمد الصور الفنية، التي قد تبلغ حدوداً غير مألوفة، تشبه، إن صحّ التشبيه، ما يفعله رسام الكاريكاتير بالنماذج التي يرسمها.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى