غير مصنفة

إعلام الحروب الباردة

خيري منصور

تداول الليبراليون خلال الحرب الباردة نكات وطرائف سياسية عن البيت الأبيض والكرملين، منها أن الأمريكي قال للروسي أستطيع أن أقول ما أشاء عن البيت الأبيض على بعد خطوات منه، فأجابه الروسي إنه يستطيع أيضاً أن يقول ما يشاء عن البيت الأبيض على بعد خطوة واحدة من الكرملين!
ومن تلك الطرائف أيضاً أن أحد زوار موسكو في ستينات القرن الماضي، حاول استخدام مفتاح الراديو بحثاً عن محطة تقول شيئاً مختلفاً، لكنه بعد أن استمع إلى سبع محطات تردد العبارات ذاتها، أدار المفتاح للبحث عن محطة ثامنة، فسمع من المذيع عبارة أصابته بالرعب، وظن أنه يتحدث من داخل الخزانة أو المذياع، وكانت العبارة «ألم تعجبك المحطات السبع التي استمعت إليها؟».
وانتهاء الحرب الباردة لم ينه ثقافتها وظلال أدبياتها ومعجمها السياسي، والعالم الآن يعج بالمنابر الأرضية والفضائية، إضافة إلى وسائل التواصل.
لكن من يستطيع قول كل ما يريد عن هناك.. أو عن بلد بعيد لا يستطيع أن يقول القليل منه حيث يعيش بعكس المثل الإنجليزي الشهير القائل: إن حديقة الجيران هي دائماً أجمل وأشد اخضراراً من حديقتنا، أو ما كتبه الروائي الأمريكي فتزجرالد عن الجانب الآخر من الفردوس أو الشاطئ المقابل من النهر.
فهل استمرت بالفعل أدبيات الحرب الباردة، لكن بأسماء وعناوين أخرى، وبقي الإعلام عبر مختلف أدواته وخنادقه، يعبر عن وجهات نظر مرتهنة لهذا الطرف أو ذاك، بحيث تصبح مفردات كالموضوعية والنزاهة والحياد مجرد أيقونات معلقة على الجدران وممنوعة من الصرف ميدانياً؟
إن أبسط بدهيات المنطق الاعتراف بأن الحقائق ليست ملكاً لأحد والعصمة ليست من نصيب البشر، لأنهم خطاؤون، ولديهم فضيلة الاعتذار والتراجع إذا تطلب الأمر! والكلمة التي تبدو أحياناً مجرد فقاعة في الهوا، قد تقتل وتدمر أو ينتحر بها قائلها كما حدث لأبي الطيب المتنبي!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى