قضايا ودراسات

صعود اليمين المتطرف يقلق بولندا

سومانترا ميترا*


لم يكن كلُّ مَن شارك في المسيرات التي جابت مدينة وارسو، يوم 11/11، لإحياء يوم الاستقلال، يمينياً متطرفاً في قناعاته السياسية؛ ولكن الشعارات التي طرحها المتطرفون المشاركون، كانت واضحة، وتدعو إلى القلق.
هنالك بعض المبررات للمسيرات القومية، ثم هنالك التعصب اليميني المتعصب المحض.
في الآونة الأخيرة، جاب عشرات الآلاف من القوميين في مسيرات عبر مدينة وارسو لإحياء يوم الاستقلال. كانت غالبيتهم من الناس العاديين، الذين خرجوا مع عائلاتهم، حتى مع أطفالهم الرُّضّع. ومع ذلك، كانت أقلية لا يُستهان بها من القوميين البيض الذين اختطفوا المسيرة السلمية، بقنابل دخان أحمر، ومشاعل، ولافتات تحمل شعارات تعبّر عن قارة أوروبية قائمة على نقاء الدم، والهوية البيضاء.
قدّرت الشرطة أن زهاء 60 ألف شخص شاركوا في هذه المناسبة، التي قال الخبراء إنها كانت أكبر تحوّل في التاريخ الحديث. وبطبيعة الحال، لم يكن كل شخص في المسيرة يمينياً متطرفاً في قناعاته السياسية؛ والغالبية لم تكن كذلك، في واقع الأمر.
ومع ذلك، كان هنالك بعض الأسباب التي تدعو إلى القلق. فقد كانت المشاعر المناهضة للاجئين واضحة بجلاء، جنباً إلى جنب مع الشعارات التقليدية المعادية للسامية.
ويرمز تاريخ 11 نوفمبر/ تشرين الثاني إلى تحرر بولندا من الحكم الاستعماري في عام 1918 (حيث كانت مقسمة في السابق بين الإمبراطوريات الهنغارية- النمساوية، والألمانية، والروسية). ولم يتمَّ الاحتفال بذلك التحرر أبداً نظراً لتاريخ بولندا العسير، أولاً تحت حكم النازيين، وبعد ذلك كعضو في الكتلة السوفياتية.
وهذه المسيرة مفهوم جديد نسبيّاً، بدأ عام 2009. وقد نُظّمت في الأساس من قِبل مجموعات مختلفة في بولندا، لإظهار التضامن الوطني، ولكنها، في ظل الحكومة الجديدة، بدأت ببطء تتخذ طابعاً قومياً، لتتحول في نهاية المطاف إلى بؤرة للتجمع والتحشيد لجماعات اليمين المتطرف من مختلف المشارب والقناعات.
نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، عن «نِك لويس»، من المنظمة البريطانية غير الحكومية «الأمل لا الكراهية»، قوله: «إن أعداد الحاضرين هذا العام، تبدو أكبر، وعلى الرغم من أن ليس كل مَن في المسيرة من الناشطين اليمينيين المتطرفين أو الفاشيين، فإن المسيرة تكتسب أهمية أكبر من دون شك، وتتحول إلى شيء جذاب لجماعات اليمين المتطرف في جميع أنحاء العالم».
وأكثر جوانب المسيرة إثارة للقلق، دعوة ناشطين يمينيين بارزين من جميع أنحاء أوروبا، ومن بينهم الزعيم السابق لـ«رابطة الدفاع الإنجليزية»، تومي روبنسون والإيطالي روبرتو فيوري.
وقد أيدتها الحكومة البولندية تحت حكم حزب «القانون والعدالة»، باعتبارها «مسيرة للوطنيين عظيمة»، ووصفت الحدَث في إذاعاتها، بأنه اجتذب في المقام الأول البولنديين العاديين الذين يعبّرون عن حبّهم لبولندا، وليس المتطرفين.
قال وزير الداخلية عبر محطة التلفزيون الحكومية، «كان مشهداً رائعاً». وأضاف «إننا فخورون بأن هذا العدد الكبير من البولنديين قرّروا المشاركة في احتفال مرتبط بعطلة عيد الاستقلال».
وهذا هو جوهر المشكلة، وهو يتجاوز عامل الأقلية الضئيلة من العناصر اليمينية المتطرفة، الذين يختطفون الحركات التقليدية في جميع أنحاء أوروبا. فتطبيع العناصر السامة في المجتمع، على أيدي ساسة قصار النظر، أمر لا ينبغي لأوروبا أن تتسامح معه، ولا يمكن لها أن تطيقه.
لم يكن كل شخص في تلك المسيرة نازياً. ومع ذلك، تبقى الحقيقة أنها قد نُظمت من قِبل مجموعات معينة ذات صِلات يمينية متطرفة، وكانت مدعومة من قِبل إعلام الدولة ووزراء الحكومة. ويحاول العنصريون واليمينيون بعناية طمس الخطوط الفاصلة وتطبيع أفكارهم، وذلك في حدّ ذاته سبب للقلق.
إنهم يعرفون جيداً، أن وسائل الإعلام العالمية، سوف تدمج عناصر هذا الحدث معاً، وتخلق انطباعاً بأن كل مَن شارك فيه، كان فاشياً، وذلك هو النوع من الشهرة والذيوع، الذي تحتاج إليه هذه الجماعات لتوسيع قاعدتها الجماهيرية.
وأخيراً، فإن أهمّ ما تُظهره هذه التظاهرة، هو حالة الانقسام التي غدت عليها أوروبا. فالجيش الألماني، كما تفيد أحدث التقارير، يضع بالفعل، خطط طوارئ للتعامل مع انهيار الاتحاد الأوروبي، مثل الاتحاد السوفييتي.
وبصراحة، لا يحبّ علماء السياسة والمفكرون التنبؤات القاطعة، ولكن من الصعب أن نرى كيف يمكن على المدى الطويل، أن نرى هاتيْن القوتين الطاردتيْن المركزيّتيْن، المتعارضتين تماماً، تتعايشان في مؤسسة تتخذ الآن شكل الإمبراطورية.
لا أعرف الاتجاه الذي ستسير فيه الأمور، وهل سيتخذ الاتحاد الأوروبي هيئة إمبراطورية ويدمّر جميع القوى القومية ضمن حدوده، أم أن تلك القوى سوف تمزقه.
وما على المرء إلاّ أن ينظر إلى التاريخ الأوروبي منذ أوائل القرن العشرين، حتى يساوره القلق.

*باحث دكتوراه في جامعة نوتنغهام، بريطانيا موقع: «تشاينا دوت أورغ»Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى