قضايا ودراسات

معضلة زيمبابوي بعد موجابي

إيرل بوسكيت*

يعتمد مستقبل التغيير الذي حصل في زيمبابوي مؤخراً، على الشكل الذي يتخذه الإصلاح، والسياسات التي يتم تبنّيها في الفترة الانتقالية، وما تتمخض عنه الانتخابات الوطنية الأولى التي ستعقد دون موجابي.
لم يعُد روبرت موجابي رئيس زيمبابوي، ولكن ذلك لا يعني نهاية مشاكل البلاد.
فقد بدأت البلاد فصلاً جديداً في تاريخ استقلالها القصير عن الحكم الاستعماري. ومع ذلك، وحتى على أعتاب التغيير، ما تزال قراءة طالعها السياسي المتغير باستمرار، عسيرة كعهدها دائماً.
لقد فاجأ موجابي الذي يُتوقع أن يكون غير قابل للتنبؤ به، الجميع بعدم الاستقالة عندما كانت أكبر التوقعات تشير إلى الاستقالة ومرة أخرى بالاستقالة عندما كانت أقل التوقعات تشير إليها.
قرّر في نهاية المطاف أن يدخل في غروب شمسه السياسية، تاركاً أولئك الذين يعالجون التغيير، يكافحون لحفظ توازنهم على حبال سياسية مشدودة، بل والبعض أيضاً، يمشون حتى حفاة الأقدام على شظايا زجاج مكسور.
ويصرّ حزب «زانو بي أف»، على أن ذلك «شأن داخلي» يشمل التغيير من الداخل. ومع ذلك، تشير كل الدلائل إلى أن المعارضة السياسية ستواصل بذل قصارى جهدها لانتزاع أقصى ما تستطيع من استمرار الأزمة.
لقد رحل موجابي، ولكن تبقى أسئلة كبيرة لم تجْر الإجابة عليها. كيف ستكون العملية الانتقالية؟ وهل سيبقى حزب «زانو بي أف»، على رأس السلطة إلى حين الانتخابات القادمة؟ وهل ستكون هنالك ترتيبات انتقالية تشمل أحزاب المعارضة؟ هل سَتتدخل بقية دول العالم لمدّ العون لزيمبابوي؟ وهل سيساعدها جيرانها؟ وهل سيتدخل الغرب للتأثير على مسار التغيير؟
وقد طالب المتحدثون باسم المعارضة منذ اليوم الأول، بأن يكونوا جزءاً من حكومة انتقالية للوحدة الوطنية، ل«تمهيد السبيل أمام العودة إلى الديمقراطية»، وتزعّمت تلك القضية رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، في غضون ساعات من استقالة موجابي يوم الثلاثاء، كما أدلى دبلوماسيون غربيون في هراري علناً، بمطلب مشابه خلال ساعات من تدخل الجيش.
ويتريّث الاتحاد الإفريقي، ودول مجموعة التنمية في الجنوب الإفريقي، التي فوجئت كما فوجئ الجميع، لتكوين ردّ فعل، ولكن حتى مع رحيل موجابي، ما يزال يتعين على الجيش وحزب «زانو بي أف» السير باحتراس، حيث إن المطالب السياسية للمعارضة، التي يُحتمل أن تكون مكلفة، بدأت بالتضخم بالفعل بطرق غير سارة.
على سبيل المثال، وبمعزل عن الإصرار على «حكومة انتقالية تضمّ جميع الأحزاب»، يدعو بعض المنتقدين الرئيسيين أيضاً، إلى أن يتألف مثل تلك الهيئة من «التكنوقراط فقط»، على وجه التحديد، واستبعاد الأحزاب السياسية المتناحرة الحالية.
وهنالك مطالب أيضاً، بضرورة أن تكون حقوق الإنسان عاملاً شاملاً في الترتيبات الانتقالية التي يجري اقتراحها، إلى جانب بعض المطالبات ب«الاعتذار المسبق» عن الأعمال غير الديمقراطية، التي ارتُكبت في عهد موجابي، من قِبل حلفائه السابقين الذين يتم تحديدهم لقيادة عملية الانتقال.
بيد أن مطالب لجنة الحقيقة والمصالحة، من المؤكد أن تعيد فتح الجروح القديمة، وستلقى معارضة من جانب أولئك الذين لديهم سبب للخوف، مما سيعتبرونه «انتقاماً» أو «عقاباً» باسم العدالة.
وما يزال الزيمبابويّون تواقين إلى التغيير السريع، من خلال عملية سلمية يُؤمل أن تؤدي عاجلاً أم آجلاً، إلى بذل جهود جديدة لمعالجة مشاكل البلاد الاقتصادية المريعة.
ويأمل الجميع استعادة فخر بلادهم المفقود، باعتبارها «سلة خبز إفريقيا الجنوبية»، والبلد الإفريقي الذي يتمتع بأكبر عدد من السكان المتعلمين، والحاصلين على تعليم عالٍ، إلاّ أن شيئاً من ذلك لن يكون سهلاً أو فورياً، حيث إن زيمبابوي ستحتاج إلى معونات واستثمارات اقتصادية خارجية ضخمة، وكلاهما سلعة عالمية يصعب الحصول عليها في هذه الأيام.
وزيمبابوي اليوم، ليست مثل أمس. فالجنيّ خرج من القمقم، ويبدو الأمر وكأن سداً قد انهار. البلد سعيد، ولكنه أيضاً قنبلة موقوتة. هذه نهاية عهد، ولكن ما تزال ثمة شكوك في بزوغ فجر جديد. ويجري تشجيع أهالي زيمبابوي على المضيّ قدماً بفرح وأمل، ولكن الطريق إلى الأمام لن يكون بتلك السهولة قطعاً.
إنها لنهاية حزينة لمُحرِّر أسطوري اتُّهم فيما بعد بالتحول إلى دكتاتور. كثير من الزيمبابويين يشعرون بأن هذا هو «استقلالهم الثاني»، بينما يُحذر آخرون الأطراف السياسية الرئيسية بأ«لاَّ تصب الزيت على النار»، أو «تستبدل دكتاتوراً بآخر».
من السابق لأوانه التنبؤ بما سيجلبه المستقبل لزيمبابوي، ولكن أولئك الذين تم تحديدهم لقيادة الركب، يعرفون جميعاً أن أفراد شعبهم وبقية شعوب العالم يرقبونهم بعناية، حتى وهم يرقصون فرحين.
إن التاريخ حافل بأمثلة الحالات المشابهة، حيث أدت الانتفاضات الشعبية في بعض الأحيان إلى وضع أفضل، ولكن أيضاً إلى وضع أسوأ بكثير. التاريخ مرة أخرى، قيد التشكل في زيمبابوي، ولكن أولئك الذين يقلبون صفحته، يجب أن يكونوا على حذر من أي عنصر يستغل الانخراط في الانتهازية السياسية، التي لن تؤدي إلاّ إلى إطالة أمد بؤس زيمبابوي.

*محرر مستقل في شبكة دبلوماتيك كورير الإخبارية – موقع: تشاينا دوت أورج


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى