قضايا ودراسات

تغير المناخ يقود إلى الانتحار

لويس ميندي*

في العقود الثلاثة الماضية، يُقدَّر أن 60 ألف مزارع هندي قتلوا أنفسهم في ظروف على صلة بتغير المناخ
سبع عشرة جمجمة، وسبع عشرة عظمة فخذ، أخِذتْ إلى العاصمة. وكان المزارعون الذين أخذوها قد جرّبوا كل شيء: من الركض عراةً في الشوارع، إلى شُرب بوْلهم، ولكن مطالبهم لم تسْتجَبْ أبداً. وفي هذه المرة، مع ذلك، سوف يُرغمون الحكومة على مجابهة فظائع تغير المناخ وجهاً لوجه. ارتداها المزارعون: قلائد من العظام، من رفات الرجال- أصدقائهم- الذين قادتهم إلى الانتحار، واحدةٌ من أسوأ موجات الجفاف خلال 140 عاماً. كان هؤلاء هم المحتجّين الغريبين من مزارعي «التاميل نادو»، المنطقة التي «كان يمكن أن تكون مكتفية مائياً لو أديرت مواردها بطريقة ملائمة». ولكن الجاني الرئيسي وراء هذه الكارثة كان شيئاً واحداً: تغير المناخ.
وقد وقع العديد من المزارعين في ولاية تاميل نادو (جنوب شرقي الهند)، في ديون باهظة، ولم يتمكنوا من إنتاج غلال محاصيل لسداد الأموال التي اقترضوها من أجل النفقات الأساسية وشراء محاصيل البذور. وطالب زملاؤهم نيابة عنهم بتقديم تنازلات لصالحهم: تنازل عن الديون وحزمة جفاف مناسبة. سأل أحدهم، «ماذا علينا أن نفعل؟ لا نستطيع العيش هكذا.. فهُم (يقصد رئيس وزراء تاميل نادو وغيره)، لم يفوا بأيٍّ من وعودهم. ولعلّ موتنا سيحمل هؤلاء الناس على التصرف». وقال آخر ببساطة: «لم يبق لدينا مياه في منطقتنا. فكيف نزرع المحاصيل إذا لم يكن لدينا مياه؟». وبطبيعة الحال، ليس هنالك جواب عن ذلك. لا مياه؛ لا محاصيل؛ لا حياة. لم يعِش البشر أبداً، ولن يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة دون هذه الضرورة- ومع ذلك لم توفر موجات الجفاف التي تبتلي معظم العالم النامي حافزاً للغرب، أو للهند، ليقوما بخفض الانبعاثات بدرجة أساسية. لم يكسب المزارعون شيئاً من احتجاجهم الذي دام 100 يوم، ولكنهم أكدوا حقيقة كئيبة: عندما ينهار المناخ، سيكون أولُ الضحايا الفقراءَ وذوي البشرة السمراء؛ وفي العقود الثلاثة الماضية، يُقدَّر أن 60 ألف مزارع هندي قتلوا أنفسهم في ظروف على صلة بتغير المناخ.
ويبدو من الإجحاف الشاذ أنّ أولئك الذين لا علاقة لهم بالكارثة الوشيكة سيكونون مَن يدفعون في الأساس الثمن الباهظ. وفي واقع الأمر، فإن نسبة ضئيلة من سكان العالم لا تتجاوز 10% مسؤولة عن 50% من الانبعاثات، في حين أن أفقر 50% مسؤولون عن 10% فقط. ويبدو الغرب الآن بأكثر من طريقة رابحاً من تغير المناخ… صناعات كاملة تم دفع ثمنها من معاناة وتضحية أمم محرومة في الشرق- فما الجديد في الأمر؟ قد يكون الوضع على هذه الشاكلة الآن، ولكن بينما يقوم الغرب بإحصاء غنائمه ويستمرّ في ضخ الكربون في الغلاف الجوي، توغِل دول مثل الهند في الموجة الأولى من تغير المناخ، لتكون نموذجاً لما سوف يصل في الوقت المناسب، الشواطئ الأمريكية والأوروبية.
وقد دفعت أماكن قليلة فوق الأرض ثمن التصنيع مثل الهند. ومثلما سائر الدول النامية، كانت مشكلة تغير المناخ فيها مضاعفة: فموقعها الجغرافي السيئ الطالع يجعلها عرضة للجوّ المتقلب، والبنية التحتية غير المتطورة تجعل الوقاية، والدفاع والإنعاش أموراً صعبة للغاية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن دخل أكثر من 600 مليون من الهنود، يعتمد على الزراعة، ويعتمد الشكل الرئيسي لتوليد الطاقة- المحطات الحرارية والكهرُمائية- اعتماداً كاملاً على عنصر حاسم: هو الماء. وهذه مشكلة كبيرة. فقد انخفض معدل هطول الأمطار بنسبة 20% في جميع أنحاء الهند، مما أعاق إنتاج الطاقة إلى درجة أن البلاد فقدت في عام 2016، 14 تيراوات ساعة، من توليد الكهرباء، وهو مقدار يكفي لتلبية جميع متطلبات الطاقة في سيريلانكا لمدة عام.
ولكن بالإضافة إلى معاناة النقص في المياه، يوفر موسم الرياح الموسمية حالة متطرفة من الجهة الأخرى، ففي أغسطس/ آب من هذا العام، تضرّر 32 مليون شخص في الهند من الفيضانات، وتلك إحصاءات مذهلة يُتوقع أن تزداد.
ومع تحوّل شحّ المياه إلى قضية في جميع أنحاء آسيا، بدأ توتر مثير للقلق في الظهور؛ وقد تبدو فكرة وقوع «حرب مناخية» مستبعدة ومختلة، ومع ذلك، فإن الظروف الجيوسياسية التي تتكشف في كثير من مناطق جنوب وسط آسيا، تجعل هذه الحرب حتمية. وعلاوة على ذلك، وجد العلماء أن 1 من بين كل 4 صراعات تندلع في الدول المقسّمة إثنيّاً، تتزامن مع إصابات مناخية؛ وقد بدأت المعركة من أجل الموارد بالفعل.
وعندما يتعلق الأمر بالموارد، لا يكاد يوجد ما هو أثمن من حوض أنهار الغانغ- براهماتورا- ميغنا، الذي يغطي 174.5 مليون هكتار، ويؤوي نحو 10% من سكان العالم. ومع استمرار تراجع الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا وتدهور شحّ المياه، أصبح طول عمر أنظمة الأنهار في المنطقة غير مؤكد، ومن ثمّ أصبحت المنافسة بين البلدان المجاورة أشدّ ضراوة.
فالصين، على سبيل المثال، بصدد بناء سدود عديدة في المنطقة، من شأنها أن تجعل الصين تسيطر على المياه لما يقارب 40% من سكان العالم. والعلم يبين سبب ذلك: ففي عام 2050، يمكن أن تفقد الأنهار التي تستمدّ مياهها من الهيمالايا 10- 20% من تدفقها، ولا أحد يريد أن يُترك من دون مياه. ويقول المحلل الجيوسياسي الهندي، براهما تشالاني، «إن النزاعات الصينية- الهندية تحولت من الأرض إلى المياه»..

*مصوّر صحفي أمريكي – موقع: «مجلة رِدْ ببَر».


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى