غير مصنفة

نحو تنمية الدعابة

عبد اللطيف الزبيدي

لماذا يحث الإعلام الفرنسي ساسته على السخرية والدعابة؟ ظاهر الأمر أنه لا يريد رؤية وجوه في القمّة صارمة أو عابسة متجهمة، حتى يشعر الناس بأن الدنيا بخير. الابتسامة في الأبواب العالية تُنزل السكينة على قلب الشارع، ترسم الآفاق الوردية في عيون الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات والأعمال، تنير دروب الإبداع، يطمئن المجتمع إلى أن المقاليد في أيدٍ تتحلى بالأريحية وعدم التسرع والارتجال وتخطو نحو المستقبل بتفاؤل.
«نادي الصحافة الفرنسي» خصص جائزة سنوية منذ عام 88، لأجمل الدعابات والسخريات التي تصدر عن الساسة. أمس الأول (28/11) فاز بها الرئيس السابق هولاند (عربيّ بامتياز: هُوَ لا ندّ)، لكن فات النادي أن يوشّح صدره بجائزة أخرى، فالمسيو فرانسوا من الرؤساء القلائل الذين وهبتهم الطبيعة محيّا الممثل الكوميدي غير المتصنع، بالفطرة على السليقة، حركاته، سكناته، أسارير وجهه حتى حين يكون جادّا، تلوح صرامته تقمّصاً. الصحافة الفرنسية طوال سنوات رئاسته الخمس، كانت تطلق على تصريحاته اسماً فكاهياً: «الهولانديات»، بمعنى طرائف هولاند أو شطحاته، كأنها لا تأخذ أقواله على محمل الجدّ. الفرنسيون هم هكذا يريدون أن تكون الأفكار كالبقلاوة: أوراقاً خفيفة والحشوة فستق أو جوز، حلاوة ودسامة. انظر فلسفة فولتير: سخرية في باطنها معرفة وعمق ورؤية ما لا تراه كل عين، مع أسلوب رشيق أنيق.
من المنتخبات الهولاندية: «كل القرارات التي أتخذها، أتخذها وحيداً مع نفسي شخصياً، في حوار على انفراد». أطرف منها: «اليوم، أنا قاب إصبعين من أن أصبح محبوباً». لو كان في بعض بلاد العرب،لكان عليه القول: اليوم، أنا قاب سنتين ضوئيتين. عن وزيرة العدل في رئاسته، قال: «أحيّي كريستيان توبيرا، فصوتها قادر على الوصول، حتى عندما لا تقول شيئاً».
الجائزة الخاصة التي تمنحها لجنة التحكيم فازت بها وزيرة البيئة «نيكولا هولو» لمقولتها في الحملة الانتخابية: «لقد رفضت الترشح، لخوفي الوصول إلى الدور الثاني». زوجة ماكرون أيضاً ظفرت بالجائزة لقولها عندما تعذّر حضورها حفلاً: «عيب إيمانويل الوحيد، هو أنه أصغر مني سنّا». أما جائزة اللعب بالكلمات فقد فاز بها نائب فرنسيّ في البرلمان الأوروبيّ، بتعليقه على صورة للرئيس ماكرون أمام هرم «اللوفر» ليلة الفوز في الانتخابات: «إنّه توت عنخ ماكرون».
هذه اللطائف تدفقت منها خواطر جمّة مفعمة بالمفارقات التراجيكوميدية في سخريات العلاقة بين الحياة العامّة والسياسة في العالم العربي، يضيق بها المجال هنا. خيرها في غيرها.
لزوم ما يلزم: النتيجة التنموية: ماذا لو فكّر الناس في تنمية الدعابة؟

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى