غير مصنفة

الإثنية ومشكلات الهويات الجزئية في إفريقيا

الحسين الزاوي

يشير الباحثون في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية المعاصرة إلى أن الإرث الاستعماري في أفريقيا قد تسبب في بروز مشكلات ثقافية وحضارية عدة، اتخذت مع مرور السنين أشكالاً حادة من الصراع الإثني والقبلي والعشائري، نتيجة للتوظيف السياسي الذي خضعت له الاختلافات الطبيعية الموجودة بين الأفراد والمجموعات، في سياق الصراع على النفوذ والمصالح المادية بين النخب السياسية والاقتصادية التي استطاعت أن تسيطر على السلطة والثروة بعد مغادرة القسم الأكبر من الجيوش الغربية لعواصم القارة السمراء. وعليه فإنه وبصرف النظر عن المصطلحات التي توظف من أجل توصيف الاختلافات المفترضة بين المجموعات السكانية، التي مازالت تثير نقاشات نظرية كبيرة بين المختصين في الأبحاث الإثنولوجية والأنثروبولوجية، فإن المخاطر الكبرى المتعلقة بهذه التصنيفات ما زالت تهدد أمن واستقرار الشعوب الإفريقية بدرجات متفاوتة بحسب مستوى الاستقطاب السياسي التي تخضع له التمايزات المستندة إلى التقسيمات الإثنية، التي يجب تمييزها في هذا المقام عن التقسيمات العرقية التي تظل محتفظة بمرجعية بيولوجية تتصل بالأبحاث الخاصة بالجينوم البشري.
يحيلنا التعريف المعجمي لمفهوم الإثنية في الغالب إلى مجموعة بشرية ثابتة في التاريخ والزمان لها أصول وتقاليد مشتركة، وتمتلك لغة واحدة ومرجعية ثقافية موحدة وسمات مورفولوجية متقاربة، إضافة إلى تقاسمها لتصورات ميثولوجية تتعلق بالقرابة والانتماء والذاكرة الجماعية للأفراد. بيد أن مثل هذا التعريف لا ينسجم كلياً مع الواقع التي تعيشه المنظومة الإثنية في العالم، لاسيما في القارة الإفريقية جنوب الصحراء، حيث أن التمثلات الإثنية لا تستند إلى اختلافات في اللغة أو اللون أو العرق، ولكن على تقسيمات سكانية جرى دعمها خلال المرحلة الاستعمارية التي شهد فيها الشعور الإثني تطوراً كبيرا وصل في أحايين كثيرة إلى مستوى التعارض الهوياتي المستند في الغالب إلى اختلافات مناطقية بسيطة. وقد أعطى الاستثمار السياسي لهذه الاختلافات أبعاداً شديدة الخطورة لكل العناصر المتعلقة بالإثنية وبخاصة عندما لجأت بعض الدول الإفريقية بعد الاستقلال إلى اعتماد تسيير إداري يستند إلى التقسيمات الإثنية.
لقد تحولت الهويات الجزئية القائمة على مبدأ التمايز الإثني في القارة السمراء، إلى أداة للقتل والإبادة الجماعية، وما زالت تمثل حتى الآن أحد أهم الأسباب التي تفسّر حالة الصراع وانعدام الاستقرار في العديد من الدول الإفريقية. وهناك الكثير من الأحداث الأليمة التي ما زالت تشهد على الآثار المأساوية للهويات الإفريقية المعاصرة التي جرى اعتمادها بناءً على عناصر إثنية وعنصرية غامضة، كما حدث على سبيل المثال في دول مثل رواندا، والكونغو الديمقراطية، وكينيا، وجنوب السودان؛ حيث أسفرت المواجهات عن مقتل مليون مواطن رواندي على أساس الانتماء المناطقي للأب، وتم رفع ذلك الانتماء إلى مستوى الهوية الإثنية. وتكررت المجازر نفسها في كينيا خلال سنة 2007، كما عايش المجتمع الكيني خلال شهر أكتوبر الماضي مزيدا من الاستقطاب والتوتر الإثني بمناسبة إجراء الانتخابات الرئاسية. وبإمكاننا أن نلاحظ في السياق نفسه أن الوضع في جنوب السودان ما زال مرشحا لجولات جديدة من التصعيد نتيجة للصراع الإثني بين قبيلتي الدنكا والنوير، الذي اندلع نتيجة الخلافات التي نشبت بين الرئيس ونائبه بعد فترة وجيزة من استقلال جنوب السودان سنة 2011.
وبالتالي فإن سياق التحليل المرتبط بهذه المقاربة يدفعنا إلى تأكيد أن هناك صلة وثيقة بين الهوية الإثنية والعنف السياسي في إفريقيا، لاسيما أن الصراعات السياسية بين النخب سرعان ما تتخذ صبغة إثنية من أجل دفع أكبر عدد من الفاعلين الاجتماعيين إلى الانخراط في الصراع، لصالح هذا الطرف أو ذاك، والأمثلة على ذلك كثيرة في سياق التاريخ المعاصر للقارة السمراء المليء بالفتن والحروب على المستويين المحلي والإقليمي. إذ إن حالات الفشل في التسيير الاقتصادي وفي بناء دولة الحق والقانون المستندة إلى قيم المواطنة المشتركة، سرعان ما تتحوّل إلى مواجهات إثنية طاحنة ومدمرة، نتيجة لعجز الدول الإفريقية بعد عقود من الاستقلال عن تحقيق نموذج الحكم الراشد، بسبب تفشي سلوكيات الفساد التي تصبح بموجبها ثروات الدولة ومقدراتها ملكاً مشاعاً لأصحاب السلطة والنفوذ.
ويمكننا أن نخلص تأسيساً على ما تقدم أن الهويات الجزئية سواء استندت إلى عناصر ثقافية ولسانية أو إلى خصوصيات إثنية ومناطقية أو حتى عرقية، لا يمكنها إلا أن تكون وقوداً لحروب أهلية مدمرة تدفع مجموعات سكانية كبيرة إلى تبني مواقف نخبها الفاسدة الرافضة لكل مبادئ التعددية والاختلاف والتداول السلمي على السلطة. لأن الاختلافات الإثنية موجودة في مناطق عديدة من العالم وليس في إفريقيا فقط، ولكنها لا تمنع المواطنين المؤمنين بفضائل فلسفة العقد الاجتماعي من العيش جنباً إلى جنب، لاسيما في الدول التي استطاعت أن تبني مجتمعات مدنية قوية وراسخة. حيث إنه وبالرغم من الصراعات المتصلة بما يسمى بألعاب السلطة التي نجدها لدى كل شعوب المعمورة، إلا أن استناد الديمقراطيات العريقة على بنية مؤسسية قوية يجعل الصراعات تذوب في بوتقة المنافسة الانتخابية وفق مسارات تتيح للجميع تسيير الاختلافات الإثنية والثقافية، وكل ما يتصل بالهويات المحلية، بطرق حضارية تسهم في المحافظة على السلم المجتمعي.

hzaoui63@yahoo.fr

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى