غير مصنفة

أبعد من نقل سفارة

خيري منصور

ما يقال على سبيل التسطيح والاستخفاف بأن نقل السفارة الأمريكية من «تل أبيب» إلى القدس لا يغير من الحقيقة، أشبه بالقول إن تغيير أسماء مدن وقرى لا يغير من حقائقها التاريخية، وقد يصل هذا التبسيط إلى حذف الدلالات الرمزية لأهم ما تعنيه الأوطان بحيث يصبح العلم مجرد قطعة قماش أو النشيد الوطني مجرد قصيدة نظمها شاعر في لحظة انفعال.
وإذا كانت هذه الواقعية المفرطة لا ترى قيمة لما هو رمزي ومعنوي وتراجيدي أيضاً، فهي ليست من الواقع في شيء؛ لأنها تتجاهله وتقفز عنه إلى ما بعده، وقد ينسجم هذا الطرح مع مصطلح ما بعد الوطنية الذي يطرحه المبشرون بعالم بلا هويات وخرائط، وبالتأكيد ما من مكان في هذا الكوكب لمثل هذه اليوتوبيات!
نقل السفارة الأمريكية إلى القدس يعني باختصار ما هو أبعد من تغيير موقع جغرافي أو مكان له علاقة بالدبلوماسية، إنه يعني تكريس الأطروحة الصهيونية الساعية إلى تهويد القدس، إضافة إلى الأَسرلَة القسرية وَعَبرَنة المعالم الوطنية والتاريخية بحيث تترجم أسماؤها إلى لغة أخرى، وتفقد بالتالي دلالاتها ومعانيها!
وما تقدم به العرب جميعاً بدءاً من الجامعة العربية من رفض جذري لقرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس لابد أن يدفع الإدارة الأمريكية إلى مراجعة هذا القرار؛ لأنه ليس من مصلحتها على الإطلاق أن تثير موجة عارمة من الغضب في العالمين العربي والإسلامي!
أما التهوين من هذا القرار باعتباره لا يعيد إنتاج التاريخ، ولا يصنع تاريخاً بديلاً فهو يبقى في نطاق العلم المحض، لكن الأمر ليس كذلك، والأزمات السياسية ليست فيزيائية تخضع لقوانين تفوق قدرة البشر.
وما تلقاه الرئيس ترامب من رؤساء من خارج العالمين العربي والإسلامي يعترضون على هذه الخطوة غير المسبوقة ومنهم الرئيس الفرنسي صدر عن قناعة لدى هؤلاء بأن السلام لا يعود ممكناً في هذه المنطقة، كما أن مثل هذا القرار قد يضيف مزيداً من العنف وردود الفعل غير المحسوبة!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى