غير مصنفة

غواية الشهرة

د. حسن مدن

نذكر جمعينا، على ما أرجّح، ما قيل لنا في حصص اللغة العربية بالمدرسة، إن من بين أغراض الشعر العربي القديم المديح والهجاء. ومن أجل ذلك كان علينا أن نحفظ أبيات شعر بعينها، موجهة نحو أحد المقصدين، وبديهي أن الاسم الذي يحضر في الأذهان بهذا الصدد هو أبو الطيب المتنبي، البارع في الأمرين.
وما أدل على ذلك من مديحه لسيف الدولة، وبالمقابل هجاؤه اللاذع لكافور، والمدهش أن ما كتبه إزاء الاثنين، على تناقض الغرض، ما زال حاضراً حتى الساعة، لأن الشعراء العرب القدامى، إذا ما تكلمنا عن من هم في قامة المتنبي، كانوا يكتبون شعراً، قبل أن يكتبوا مديحاً أو هجاء، والشعر الحقيقي لا يموت.
طبيعي أنه لا يمكن إغفال الالتباس الواقع بين المديح والنفاق، وهذا ما يتبدى، في صوره الفاقعة، حين يكال المديح موجهاً لشخص في موقع السلطة والنفوذ، حيث عين المادح معقودة على مصالح ومآرب خاصة يرتجي تحقيقها من وراء المديح.
في روايته «خفة الكائن التي لا تحتمل»، يقول ميلان كونديرا، على لسان الطبيب، إحدى شخصيات الرواية: «ما أعظم ما يُسقط في يد المرء حيال الإطراء»، وهو يفكر في مديح مغرض، قاله له أحد المسؤولين، لا برغبة تملقه ابتغاء مصلحة، فهو ليس أكثر من طبيب في مصحة، وإنما بهدف استدراجه نحو التخلي عن مواقفه المعارضة، حين شعر بأنه لم يكن بوسعه أن ينصرف عن أخذ كلام هذا المسؤول مأخذ الجد، ليس بدافع الغرور فقط، وإنما لأنه يصعب علينا إزاء الكلام اللطيف المُجامل أن نلاحظ على الفور أن وراءه دوافع أخرى غير مرئية، أبعد ما تكون عن نوايانا الطيبة، خاصة حين نظن أننا أهل لهذا المديح.
مفهوم، إذاً، أن النفس البشرية ضعيفة إزاء المديح، وكلما علت مكانة الممدوح، وتجمعت في يديه السلطة فإنه يصبح أسير هذا المديح، ورغم معرفته، في قرارة نفسه، أن جزءاً كبيراً من هذا المديح ليس صادقاً، لكنه يوطن نفسه على تصديقه.
هذا ليس مدهشاً. المدهش، حقيقة، هو وجود طراز من البشر تغويهم الشهرة، والرغبة في أن يكونوا محط نظر دائم، وأن يظل اسمهم، أو أمرهم، حديثاً دائماً على الألسنة، وليس مهماً أن يعبر عن هذا الاهتمام بالمديح وحده، فبالنسبة إليهم، وإن كان المديح مطلوباً، ويعزف على أوتار النرجسية في نفوسهم، إذا تعذر المديح، ليس مهماً لو تحققت الشهرة من خلال الهجاء.
لأصحاب هذا النوع من الميل جلود غليظة، تتحمل السياط، ودرجة من «المازوخية» التي تجعلهم يستطيبون الشتائم، والنقد اللاذع، والتعريض بذواتهم، طالما كان ذلك يحقق لهم ما باتوا أسرى له، أي الشهرة التي وقعوا في غوايتها، فلم يعد مهماً إن أتتهم من هذا الباب أيضاً.

dr.h.madan@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى