غير مصنفة

درس من أمل دنقل

د. حسن مدن

كان أستاذه شاعراً، ما شجّعه على أن يطلعه على محاولاته الأولى في كتابة الشعر. قرأ الأستاذ ما كتبه تلميذه، قبل أن يجيبه: من الخير لك أن تترك الشعر لأهله، لأنك لم تخلق لتكون شاعراً أبداً. أصابت هذه الكلمات التلميذ الموهوب في القلب، وشعر بإهانة شديدة.
لجأ إلى بعض أصدقائه المقربين يشكو لهم ما تركته كلمات أستاذه في نفسه من أذى، هو الذي كان يحسب أن ما أراه الأستاذ كان شعراً، وأنه يرى في نفسه مشروع شاعر. كان بعض هؤلاء الأصدقاء مهتمين باللغة والشعر، فقالوا له إن العرب يقولون إن من حفظ ألف بيت شعر صار شاعراً.
وضع الفتى أمل دنقل أمام نفسه هذا التحدي: أن يحفظ ألف بيت من الشعر، وبالفعل أخذ يستعير الدواوين الكثيرة، ولأنه كان من الصعب الاحتفاظ بها كلها، فقد استنسخها، وظلت دواوين المتنبي والبحتري وأبي نواس وامرؤ القيس، وأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل وسواهم منسوخة بخط يده.
بعد أن قرأ كل هذا، كانت قد مرت سنة على المرة الأولى التي قدّم فيها محاولاته الأولى لأستاذه، فأجابه الجواب المحبط ذاك، وبطريقة لا تخلو من التحدي أمام الذات، وربما للأستاذ نفسه تقدّم له بإحدى قصائده الجديدة، فأبدى دهشته الشديدة بما حققه الفتى خلال عام واحد من تقدم، وحينها شعر دنقل بانتصار كبير.
أيكون الأستاذ قد فعل خيراً حين قال له أول مرة ذلك الجواب الصادم، فأشعل في نفسه جذوة التحدي؟ ربما يكون ذلك صحيحاً، ولكن كان من الممكن أيضاً لذلك الجواب أن يقتل موهبة الفتى، ويقنعه بالفعل أنه لم يخلق ليكون شاعراً كما قال له.
لكن الموضوع الأهم ليس هنا. إنه في الدرس البليغ الذي تقدمه هذه التجربة للشعراء الشباب، وليس المقصد هنا من يحاولون كتابة محاولاتهم الأولى في الشعر ليطلعوا عليها أساتذتهم أو من يثقون في ذائقته، وإنما أساساً الشعراء الشباب الذين صدرت لهم دواوين، لا ديوان واحد فقط، فهل تراهم فعلوا ما فعله أمل دنقل بأن حفظوا ألف بيت من الشعر من كلاسيكيات الشعر العربي، ومن أشعار المحدثين منهم، أو على الأقل حفظوا نصف هذا العدد من الأبيات، أو ربعه؟
ليست الفكرة هنا في الحفظ تحديداً، فذاكرة البشر متفاوتة، وليس كل الناس، بمن فيهم الموهوبون، حباهم الله ملكة الحفظ، وإنما الفكرة في أن يتمثل الشاعر الشاب التجربة الشعرية السابقة، وأن يقيم فيها طويلاً، بالتعمق فيها: لغة ومخيلة ومعنى، ليستلهم منها ما يعينه في تجربته، قبل أن يستوي عوده كشاعر ويقدم صوته المنفرد.
ما يصح على الشعراء يصح على كل من يطرق باب الكتابة، أياً كان جنسها.

dr.h.madan@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى