مقالات عامة

عام من الشعر

محمد عبدالله البريكي

عام من الشعر أشرق على وجه العالم العربي رغم المحن والمآسي، عام من الإبداع الذي مس جوهر الإنسان وحرّك الشجون، فكثيراً ما كانت تلتقي القصيدة مع الوجع وتلامس الجرح فتداوي الوجع بسطوعها الأثير.
خلال هذا العام هزّت القصائد الشعرية أعطاف القرّاء في كل مكان بفضل الجهود المبذولة لتنشيط الشعر في مخيلة الشعراء وتحريك وجدان الجماهير، لكن تبقى المبادرات الشعرية التي قادتها إمارة الشارقة نبراساً يضيء في كل البقاع المتعطشة للكلمة بكل جمالها ورقيها وقدرتها على النفاذ كريشة ترسم مشاهد الحياة على صفحة الوجود.
كم هائل من المهرجانات والفعاليات التي انطلق خلالها الكثير من المبدعين سواء أصحاب التجارب الطويلة الذين أسسوا في الشعر العربي لحضورهم النابض بالحكمة والمعنى المتخطي لحدود العادي والمألوف، أو المبدعين الشباب الذين حفروا أسماءهم في سجل الجمال واستطاعوا أن يشكلوا الكلمة بأكثر من لحن، ليبقى هذا المشهد قابعاً في الوجدان، تاركاً في النفس أصداء وذكريات لا تنسى.
لقد حرّكت مبادرة (ألف بيت للشعر) المياه الراكدة وألقت حجراً في بحيرة الشعر العربي، فاستيقظت طيور محلقة في الوجدان لترسم على حدود الغيم لوحة الجمال.
لقد استمتع الجمهور العربي في البلدان التي أقامت مهرجاناتها تحت رعاية من الشعر، والتحمت مع أصوات مغردة تملك نضرتها وتعرف طريقها، وهذا التنوّع أثرى ساحة الشعر وملأ فراغات كثيرة، مما أوجد حركة جديدة لتغيير الصورة النمطية عن الشعراء والقصائد والمهرجانات ذاتها، لكن في ذروة الأحداث التي نعيشها في محيطنا العربي يقف الشاعر يرصد ويكتب بمنطق جمالي ووعي تاريخي، متحرراً من الموضوعات الذاتية ليشارك الوطن أحزانه ويتمسك في الوقت نفسه بمعايير الجمال، وقد شهد هذا العام أيضاً ثورة في المفردات وأصبحت القصيدة بكل أنماطها الموسيقية تتحرر من اللفظ التقليدي والمعنى المكرر والصورة النمطية، فتحققت أهداف الحداثة العصرية في القصيدة المموسقة، بفضل الثراء اللغوي وقدرة بعض الشعراء على هضم التراث الشعري، واستيعاب العصر ومتطلبات التغيير، فكثيراً ما انطلقت القصيدة العمودية إلى آفاق التحرر في اللغة والمضمون لتلبي حاجات العصر، وكذلك قصيدة التفعيلة.
لكن يتبقى على الشعراء أن يطوّروا أدواتهم الإبداعية ولا يتوقفوا عند مرحلة معينة، لأن كل شاعر خلاق في الماضي كان يحمل رياح التغيير، فلم يكن بوسع أبي تمام وأبي نواس والمعري والمتنبي وبشار بن برد وجرير والفرزدق إلى أحمد شوقي أن يقفوا ليبكوا على الأطلال ويكرّروا تجارب الآخرين، لكن كان كل منهم قد تحرر وانطلق إلى فضاء مغاير ليصبح أعجوبة عصره ونادرة زمانه، وقد حقق نزار قباني شهرة كبيرة وكذلك محمود درويش والسياب وغيرهم من الشعراء، بفضل الإيمان بقضيتهم والسعي لكتابة قصيدة فيها لمسة جمالية وقيمة إنسانية، ومن حق الشعر العربي أن يتطور ويتقبل التغيير دون المساس بالجوهر، وأن يقبل الآخر في حدود الإبداع ووفق معايير تضمن سلامة الذوق، فما من شك أن هذا العام الذي يوشك على الرحيل قد رفد الشعر العربي بطاقات جديدة وشعراء لديهم إدراك لصيغة المرحلة المقبلة، وعلينا أن نتواصل جمالياً ولا نتعارك في مضمار الشعر حتى نستطيع أن نحافظ على إرث الأمة العربية ونحفظ لها هويتها، والشعر هو الذي يملك مفاتيح تجديد اللغة وتطويرها كونه عملاً خلاقاً، وإذا كنا نودّع عاماً من الشعر، فنحن نتهيأ لاستقبال عام آخر من الشعر.
hala_2223@hotmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى