مقالات عامة

ترامب مثل ترومان محاط بالمستشارين اليهود

حافظ البرغوثي

لعب مستشارون يهود ومسيحيون من الكنيسة الصهيونية دوراً بارزاً في إقناع الرئيس الأمريكي هاري ترومان بقرار تقسيم فلسطين سنة 1947 ولاحقاً الاعتراف بـ«إسرائيل» سنة 1948.
كان ترومان في بداية عهده كعضو في مجلس الشيوخ نشيطاً في منظمة مسيحية صهيونية، وعندما صار رئيساً كان مندفعاً نحو تأييد إقامة وطن لليهود في فلسطين بسبب جرائم هتلر، لكنه سرعان ما تراجع عن الفكرة وأبلغ الزعيم الصهيوني وايزمان أنه من الأفضل إقامة دولة متعددة الأديان والأعراق في فلسطين كالولايات المتحدة بدلاً من دولة لليهود، لكن الحلقة المحيطة به في البيت الأبيض من اليهود والإنجيليين أقنعته بالعكس رغم الطروحات التي قدمتها وزارة الخارجية من أن دعم دولة لليهود سيتيح للمعسكر الشيوعي إيجاد موطئ قدم له في المنطقة، ويحرم الولايات المتحدة من النفط والقواعد العسكرية ويزيد مشاعر معاداة اليهود في أمريكا. وانضم إلى «الخارجية» وزير الدفاع جورج مارشال بطل الحرب العالمية الثانية، لكن الغلبة كانت للمستشارين اليهود في البيت الأبيض.
هذا السيناريو تكرر حالياً عندما رفض الرئيس ترامب تحليلات الخارجية والمخابرات والبنتاجون وتبنى أفكار مستشاريه اليهود، وعلى رأسهم صهره جاريد كوشنر الذي يهندس أفكاره مع بنيامين نتنياهو مباشرة، ولعل الأفكار التي لم يتم الإعلان عنها حول ما يسمى «صفقة القرن» ترمي إلى توطين «إسرائيل» في المنطقة إلى الأبد، وحشد اعتراف عربي وإقليمي بها تحت غطاء حل القضية الفلسطينية، وإقامة علاقات أمنية واقتصادية معها، وإقامة دولة فلسطينية بالاسم وليس على أرض الواقع. وما ديباجة «صفقة القرن» بالاعتراف بـ«إسرائيل» عاصمة للاحتلال إلا مؤشر على فداحة ما يليها من إملاءات «إسرائيلية» تقدم تحت مسمى هذه الصفقة.
فما نضح من معلومات حول الصفقة لا يختلف كثيراً عما كان يسميه الدكتور صائب عريقات دولة واحدة بنظامين، فالأفكار الأمريكية تضع السيادة براً وبحراً وجواً وتحت الأرض بيد «إسرائيل»، وتسيطر الدولة الفلسطينية المقترحة أو سلطة الحكم الذاتي الموسع على منطقتي «ألف» و«باء»، أي على مساحة لا تتعدى 59 في المئة من مساحة الضفة، بينما تبقى المنطقة «سي» تحت سيطرة الاحتلال بما فيها الحدود مع الأردن والجبال الشرقية للضفة. وتقترح الأفكار الأمريكية ممراً بين غزة والضفة تحت سيطرة الاحتلال أيضاً، وضم «إسرائيل» لمساحة بنسبة 10 في المئة من مساحة الضفة مع الإبقاء على المستوطنات الأخرى القائمة دون مساس بها، إضافة إلى انتزاع القدس كلها من الفلسطينيين لأن أية حكومة «إسرائيلية» لن تفاوض على حدود القدس التي لم يحددها بيان ترامب، فـ«إسرائيل» تعتبر القدس كتلة واحدة، فيما تقترح الصفقة إقامة عاصمة فلسطينية في أبوديس مع ممر إلى المسجد الأقصى. ويقترح «الإسرائيليون»، أو الأمريكيون لا فرق، استخدام الجانب الفلسطيني لجزء من الموانئ والمطار لكن تحت سيطرة أمنية «إسرائيلية»، ومقابل هذا التنازل الذي لا تنازل «إسرائيلياً» فيه، تعترف «دولة فلسطين» بـ«إسرائيل» كدولة يهودية، وتعترف «إسرائيل» بـ«دولة فلسطين» التي سيتم حل قضية اللاجئين من خلالها، وتتلقى «إسرائيل» بالمقابل اعترافات عربية وإسلامية بعد هذا.
ونلاحظ هنا أن «إسرائيل» لم تقدم أية تنازلات بل تحصد مكاسب سياسية وجغرافية واقتصادية. ببساطة فإن ديباجة «صفقة القرن» تقضي الاعتراف بالقدس عاصمة لليهود، وما تلاها من أفكار وإن سمي «دولة فلسطينية»، فهو عملياً تكريس للحكم الذاتي القائم. فالرئيس الأمريكي كما يبدو كان يعي أن الرفض سيكون من نصيب أفكاره، لذا جس النبض أولاً بالاعتراف بالقدس حتى يبرر عدم تقديم أية أفكار تالياً.
الجانب الفلسطيني مازال يدرس الاحتمالات المستقبلية مع اهتمامه باستمرار المقاومة السلمية للاحتلال في المظاهرات والمسيرات اليومية، وبعد تأكيد الجمعية العامة للأمم المتحدة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ورفض قرار ترامب حول القدس، من المحتمل رفع قضايا أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الأمريكية العليا، باعتبار أن قرار ترامب مخالف للدستور الأمريكي والمواثيق الدولية وقرارات الشرعية الدولية. وعلى المستوى السياسي تواصل السلطة الفلسطينية مشاوراتها مع دول أوروبية والصين وروسيا وغيرها لعقد مؤتمر دولي حول القضية الفلسطينية، والتقدم بمبادرات للاعتراف بدولة فلسطين من جهة، والتأكيد على حل الدولتين من جهة أخرى.
بقي أن السلطة الفلسطينية ستجمد إجراءات اعترافها بالكنيسة الإنجيلية، باعتبار هذه الكنيسة من متزعمي دعم «إسرائيل» والرئيس الأمريكي ترامب لأسباب دينية أهمها أن قيام «إسرائيل» مؤشر على قرب ظهور المسيح المنتظر الذي سيقيم دولة العدل ويخير اليهود بين الإيمان به أو الذبح. ولعلنا شاهدنا قبل فترة فيديو لاحتفال «الحانوكا» اليهودي شارك فيه ترامب وأحفاده من كوشنر وإيفانكا وجاء رجل دين يهودي بارك ترامب بالإنجليزية ثم أمسك رأس طفل، وأنشد بالعبرية نشيد بناء الهيكل ومجيء المسيح اليهودي «غير الإنجيلي» الذي سيعد الذبح لغير اليهود. فكل طرف يستعد لذبح الآخر وفي النهاية يتفقان على ذبحنا.

hafezbargo@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى