مقالات عامة

أثر فلسطيني

يوسف أبو لوز

كتب الصديق الزميل د. حسن مدن أمس مقالة عذبة بقلمه الشفاف والراقي دائماً حول التطريز الفلسطيني، وهو فن شعبي يرقى إلى مكانة الرمز الذي يحيل إلى الهوية الفلسطينية، ويقوم على غرزات من الحرير الأحمر في الغالب، لكن الطريف في هذه الرموز ما تذكره كتب التراث والفولكلور الفلسطيني، إذ يحمل الثوب الفلسطيني مطرزات مثل: عين البقرة، مخدة العزّابي (أي الأعزب)، أسنان الشايب (أي العجوز) ورأس الجمل، والحلزون، و٣ بيضات في مقلاة ورجل الدجاجة، وكل غرزة تطريز تكون عادة ذات صلة بمدينة فلسطينية بعينها، فهناك الثوب المقدسي، والثوب الخليلي، والثوب النابلسي.. وكل ثوب يُعرف من طريقة تطريزه أو من خلال الرموز المطرزة عليه.
لكن ما أردت إضافته حقيقة هنا يتجاوز الناحية الفنية التشكيلية للثوب الفلسطيني، فقبل نحو عشرين عاماً جعلت سلطات الاحتلال «الإسرائيلي» مضيفات شركة طيران «العال»، «الإسرائيلية» يرتدين هذه الثياب الفلسطينية المطرزة على اعتبار أن التطريز فولكلور «إسرائيلي»، وهي سرقة علنية مكشوفة للمؤرخين وعلماء الفولكلور العرب والأجانب، وتندرج سرقة التطريز على يد «الإسرائيلي» في الإطار العام لمنظومة الاختطافات والاحتلالات والنهب اليومي الممنهج الذي تمارسه «إسرائيلي» لما هو أكثر من الثياب.
في مرحلة من مراحل برنامج اللصوصية «الإسرائيلية» عمدت دولة الاحتلال إلى السطو على الآثار الفلسطينية، وأطلقت على الكثير من الآثاريات والمعماريات أسماء عبرية نحو محو الهوية العربية التاريخية لهذه الآثار، بل أكثر من ذلك، امتدت أيادي السطو «الإسرائيلي» إلى آثاريات أخرى في البحر الميت، وفي جبل «نيبو» الواقع غربي مدينة مادبا الأردنية المعروفة بعراقتها التاريخية وغزارة فن الفسيفساء فيها.
في مرحلة لصوصية «إسرائيلية» تالية سرقت دولة الاحتلال أسماء الزهور الفلسطينية وحولتها إلى أسماء بالعبرية، وكما يلاحظ القارئ العزيز هناك دائماً محاولات «إسرائيلية» مستميتة بل تصل إلى درجة العنف تقوم على اللغة.. بحيث تستولي اللغة العبرية على الآثار والزراعيات والمطرزات والشوارع والأماكن والساحات، فما لم يحتله الصهاينة بالسلاح يعمد إلى احتلاله باللغة.
هناك فنون شعبية أيضاً وحرف خشبية تراثية فلسطينية سطت عليها «إسرائيل» مثلما سرقت أو حاولت سرقة الثوب الفلسطيني المطرز، لكن دائماً تذهب هذه المحاولات إلى الفشل لأمرين.. الأول:- احتفاظ الفلسطيني بذاكرته وتراثه وثقافته الشعبية في بلاده وفي الشتات في المخيمات بشكل خاص.. والثاني:- فشل الرواية «الإسرائيلية» دائماً في العالم وليس فقط في أرض فلسطين، ذلك أن في العالم متاحف ومراكز بحوث ومكتبات ومخطوطات ومؤسسات ثقافية استقصائية تثبت دائماً بالوثائق أن التطريز فلسطيني، والآثار والزهور والحرفيات.. فلسطينية.

yaboloz@gamil.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى