مقالات عامة

عدوى مزدوجة

خيري منصور

ليست العدوى سلبية بالضرورة، وهناك عدوى حميدة، ذات صلة بالنجاح والعافية الذهنية، وحين يكون المناخ الفكري والمزاج النفسي في مرحلة ما منتشراً وإيجابياً تغار المجتمعات من بعضها، كالأفراد تماماً.
حدث ذلك في ربيع أوروبا الشهير في منتصف القرن التاسع عشر، وتكرر في الثورات البرتقالية في شرقي أوروبا في نهايات القرن الماضي، وكان للعالم العربي تجاربه أيضاً في هذا السياق؛ إذ سرعان ما انطلقت العدوى من تونس مثقلة بالياسمين إلى أرجاء عديدة من العالم العربي، وإن كانت العواصف السياسية قد هبت في بعض الأحيان على غير ما اشتهى الحالمون بالتغيير إلى الأفضل!
وفي النصف الأول من القرن العشرين، تزامنت أو أعقبت بعضها عدة حراكات وانتفاضات عربية ضد الاحتلال، سواء في ثورة 1919 المصرية أو ثورة العشرين العراقية، إضافة إلى الانتفاضات الفلسطينية، التي أعقبت وعد بلفور عام 1917، وكذلك معركة ميسلون السورية في عام 1920!
ويبدو أن للخمول عَدْواهُ تماماً كما أن للعافية عَدْواها الحميدة. ولا تقتصر هذه العدوى على الأفراد في حياتهم اليومية فقط؛ بل تتخطاهم إلى الجماعات البشرية، فالجار الناجح والقريب الذي حقق شيئاً من حلمه يثير لدى أنداده الرغبة في اقتفاء خطاه وربما لهذا السبب أطلق المؤرخون ومنهم هنري إيكن على القرن التاسع عشر اسم قرن الأيديولوجيات؛ لأنه شهد عدة قيامات فكرية كانت أشبه بانعطافات تاريخية جذرية منها ما أدى إلى حربين عالميتين في القرن الذي تلاه!
وهناك مثل عربي شعبي هو «صاحِب المَسْعَدَ تَسْعَد» وعكسه بالضرورة هو «صاحب الفاشل تفشل».
وهو ما يعبر عنه بقرين السوء ودوره السلبي في العدوى الخبيثة.
وما ينبغي التنبيه إليه هو أن العدوى الثقافية والحضارية تحتاج أيضاً إلى استعداد وحاضنات؛ لأنها بعكس ذلك تتحول إلى محاكاة شكلية بلا محتوى.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى