مقالات عامة

بين التعددية والخصوصية

د. حسن مدن

لا يمكن أن نتحدث عن خصوصية ثقافية خارج التعددية الثقافية، فالخاص يُعرف من خلال العام. ما من ثقافة منعزلة عن بقية الثقافات في العالم، حتى لو زعم أصحابها العكس، مُدعين نقاء ثقافتهم وأصالتها. وكما نتحدث عن تأثير ثقافة من الثقافات، ولتكن ثقافتنا العربية مثلاً، في ثقافات الشعوب والأمم الأخرى التي بلغتها، فبالمقابل يتعين الاعتراف بأن ثقافتنا نفسها تأثرت بثقافة الآخرين.
الثقافة كائن حي يتطور ويغتني بمؤثرات ومعارف جديدة باستمرار، بعضها آتٍ من دينامية التطور الذاتي الخاص بكل ثقافة حية، ترفض التحجر والانغلاق، وبعضها الآخر آتٍ من الثقافات الأخرى التي نتفاعل معها، خاصة في عالم اليوم الذي تقاربت فيه المسافات، وتداخلت به الأمم، وثقافتها أيضاً، بالنتيجة.
على هذا يترتب سؤال: ألا يوجد مكان لما يوصف بالخصوصية الثقافية في نظام متعدد الثقافات؟ إنه نفسه سؤال الهوية، فالكونية، وهي على كل حال فضاء أرحب وأوسع وأغنى من العولمة، لا تلغي تعدد الهويات في الإطار الكوني العام، وفي هذا، بالذات، يكمن الفرق بين بعض دعاة العولمة التنميطية، وبين الأفق الإنساني الكوني.
وإذا كان التنميط يفرض نمطاً ثقافياً وهُوياتياً واحداً على العالم، بغرض طمس ما فيه من تعدد في الثقافات ومن تنوع فيها، وهو تنوع قائم حتى في الثقافة الواحدة، فإن الأفق الإنساني الكوني يقر بالخصوصيات ، لكن في إطار ثقافة إنسانية شاملة تتكون من مجموعة روافد، يمثل كل رافد منها، ما درجت العادة على وصفه بالخصوصية. وهي خصوصية تنفرد بسمات يمليها سياق التطور التاريخي والتكوين النفسي للأمم، وأحياناً حتى تأثيرات الجغرافيا والبيئة المحيطة، لكنها أيضاً تلتقي مع الكوني في القيم والتعبيرات الشاملة، التي قد يكون لها صفة المطلق إزاء ما هو نسبي.
من حق أصحاب كل ثقافة، وبالتالي أصحاب كل هوية، لا بل ومن واجبهم أيضاً، الحفاظ على ثقافتهم وإحيائها، ومنعها من الذوبان والاندثار، لكن دون أن يقودهم ذلك إلى الانغلاق على الذات، وإغلاق النوافذ بوجه الرياح الطيبة الآتية إليهم من الثقافات الأخرى، فسلوك مثل هذا سيبقيهم هم وثقافتهم في العتمة. ما من ثقافة حية، وأصيلة، تخشى هبوب الرياح من الثقافات الأخرى. التفاعل والتحاور هما ما يغني الثقافات الوطنية والقومية، أما الانغلاق فهو الذي يقودها إلى التحجر والعزلة، وبالتالي إلى التراجع والتخلف.
كل الثقافات والهويات نسبية. المطلق هو الكوني والإنساني العام. وليس من شأن النسبي أن يتغلب على المطلق، ولا منطق في أن يعتبر معركته معه. النسبي يغذي المطلق ويتغذى منه، يأخذ منه ويعطيه. وحين يذود أهل ثقافة ما عن ثقافتهم لا يكونون بذلك يسدون خدمة لأنفسهم أو يؤدون واجباً مستحقاً عليهم فحسب، وإنما يسدون الخدمة ذاتها ويؤدون الواجب ذاته للثقافة الإنسانية الشاملة، لأن الرافد يغني النهر.
madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى