مقالات عامة

غياب أساس الثقافة

عبد اللطيف الزبيدي

هل تُحدّد الثقافة معناها بنفسها؟ هل هي التي تعطي المضمون بوصلته؟ هنا يتضح الخلل التربويّ الأكبر الذي أدّى إلى هلاميّة الحياة العامّة، إلى هشاشة الوجود العربيّ. إذا كانت أنظمة التعليم العربية ترى أننا نضع المناهج في مرمى سهام النقد، لأننا غير معجبين بالكتب المدرسية وأساليب التدريس، فهي واهمة، القضيّة أبعد.
مشكلتنا هي أن المدارس لا تختلف عن معامل المشروبات الغازيّة: تصطفّ العلب الفارغة، تعبّأ بمواد فيها السكر والملوّنات الضارّة صحيّاً، تُغلق وتساق إلى الأسواق. رسالة المناهج واجبها تربويّ وتعليميّ، ولحكمة ولو بالمصادفة، تقدّمت التربية على التعليم في المسمّى. التربية هي أن يربو أي ينمو ويزداد وعي الفرد في كل مرحلة بمحيطه في الحياة العامّة التي يتأهّل لدخولها فاعلاً وشريكاً. أمّا التعليم فهو تحصيل العلوم والمعارف والخبرات والقدرات، التي ستساعده على أداء وظيفته والنهوض بمسؤوليته.مجموع التربية والتعليم هو ثقافة الحياة التي سيدخل بها ميدان الحياة العامّة، وهو عارف بكل ملابساتها وإيجابيّاتها وسلبيّاتها.
موادّ الدراسة العربية كانتونات منفصلة، أرخبيل جزر ليس بينها رباط يوحّدها. الأنكى هو أن تلك المقرّرات المتباعدة، ليس لها صلة بحياة البلدان. طوال ست عشرة سنة، لا يفهم الدارس الذي يكبر، لماذا يذهب إلى المدرسة ثم الجامعة، ولماذا يجب أن يحبّ العلم والمعرفة والتقانة، وهو لا يرى لها أثراً في تنمية الوطن، الذي حشوا دماغه بأن حبّه من الإيمان؟ يدوّخه السؤال: إذا كان هذا صحيحاً، فلماذا التخلف والضعف أمام القتل والنهب والتشريد واستباحة الحرمات؟ لماذا استطاعت شراذم من عصابات الإشكناز والسفارديم إخراج الفلسطينيين من ديارهم، والإلقاء بهم إلى أمّ قشعم الملاجئ والشتات، ثم السعي إلى توطينهم حيث مخيّماتهم، أو طردهم كرّة أخرى إلى وطن بديل، أهذا كله نتيجة حبّ العرب للأوطان؟ لماذا تدمّر بلدان عدّة ليتحقق للغاصبين حلمهم؟ كيف يستقيم لهذه الأجيال أن يكون لها ولاء لأنظمة لم تلتق على كلمة صدق أو مصلحة مصيريّة عليا؟ لقد أوصل النظام العربيّ الشعوب إلى طريق مسدود، ذلك ما أرادته المخططات، سوى أن الكل واهم إذا ظن أن الطرق انسدّت فعلاً. ما نحذّر منه دائماً هو الاستهانة بمعنويات الشعوب، وإشعارها بأن عليها أن تنسى حقها في تقرير المصير. ستدرك الأبواب العالية أنها فهمت بناء الدول خطأ، أقامتها على سيادة لا حساب فيها لإرادة الشعوب.
لزوم ما يلزم: النتيجة التعبيريّة: انظروا إلى الأفق، سترون أحلام المؤامرات تحترق.
abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى