مقالات عامة

الاحتجاجات في إيران

صادق ناشر

خروج الآلاف في تظاهرات حاشدة عمت مدناً إيرانية عدة، بينها مشهد، ثاني أكبر مدن البلاد، أول من أمس الخميس، احتجاجاً على البطالة والفقر، يوضح القدر المتنامي من الغضب ضد السلطات الحاكمة التي أدخلت البلاد في أتون وضع اقتصادي صعب، بعد أن سخّرت إمكانات الدولة لمصلحة حروبها الخارجية في عدد من مناطق الصراع في المنطقة، خاصة سوريا والعراق ولبنان واليمن، حيث رفع المحتجون لافتات وشعارات تعلن رفضهم لتدخلات بلادهم في المنطقة، وحروبها المستمرة مع دولها.
وكان من اللافت رفع المحتجين شعارات «الموت لروحاني وللديكتاتور»، في إشارة إلى المرشد علي خامنئي، وهي من المرات النادرة التي يجري فيها رفع مثل هذه الشعارات. لكن الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه الشعب، دفع به للخروج إلى الشوارع للاحتجاج، خاصة بعد أن وصلت معدلات البطالة والغلاء إلى أعلى مستوياتها في دولة تعد واحدة من الدول الغنية في المنطقة.
وصبت معظم الشعارات التي رفعها المحتجون باتجاه الرئيس حسن روحاني الذي فشل في تحقيق وعوده الانتخابية للقضاء على البطالة والفقر، خاصة أن إيران تعد ثاني أكبر مصدّر للنفط بعد المملكة العربية السعودية، وثاني مصدر للغاز بعد روسيا، إذ إن 25 مليوناً من سكان البلاد البالغ عددهم 80 مليون نسمة، يعيشون تحت خط الفقر.
ونالت سياسة إيران في المنطقة نصيب الأسد من غضب المحتجين الذين رفعوا شعار «انسحبوا من سوريا وفكروا بنا»، و«لا للبنان.. لا لغزة.. نعم لإيران»، وتعني فيما تعني رفض الناس لتدخل طهران في الشؤون الداخلية للبلدان العربية، من خلال دعم الميليشيات الطائفية مالياً ولوجستياً، كما هو الحال في الدول الأربع التي يتفاخر الإيرانيون بأنها سقطت في أيديهم.
لم تكن احتجاجات الخميس في مشهد وغيرها من المدن الإيرانية، الأولى من نوعها، فقد اندلعت تظاهرات مشابهة في الأسبوع الماضي في مدينة أصفهان، كما أن الشعارات التي رفعت في التظاهرات واحدة، وتركز على قضيتين رئيسيتين، الأولى اقتصادية، وتدعو إلى محاربة الفقر والبطالة التي تنتشر في عموم البلاد، والثانية سياسية، وتدعو إلى تجنيب البلاد مخاطر الصدام مع دول الجوار، خاصة منطقة الخليج، حيث تلعب إيران دوراً تصعيدياً في الصراع في هذه البلدان من خلال إذكاء النزاعات بين أنظمة هذه البلدان، والأذرع المؤيدة لطهران، كما هو الحال في اليمن، حيث تدعم جماعة الحوثي الموالية لها، التي انقلبت على الشرعية بقوة السلاح.
من المبكر الحديث عن تغير المعادلة السياسة في إيران، لكنه من الواضح أن مزاج الشارع الإيراني بدأ يتغير، ونظرته إلى السياسة التي تتبعها حكومته لم تعد كما كانت، والحراك السياسي القائم اليوم يدل على أن الناس بدأوا يشعرون بأنهم يخسرون في الداخل مقابل مغامرات تقدم عليها سلطتهم المنهمكة في حروب تتوزع في كل مكان، ولن يجني منها الشعب إلا المزيد من الفقر، والبطالة.
الحراك الشعبي في مدن إيران، الذي عبرت عنه تظاهرات الخميس، سيتحول تدريجياً إلى غضب شامل، قد يفرض على السلطة في طهران مراجعة حساباتها السياسية، وعدم جر شعبها إلى مغامرات غير محسوبة العواقب.

sadeqnasher8@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى