مقالات عامة

سباق صهيوني محموم نحو التطرف والقتل

حافظ البرغوثي

خمس ساعات ونصف الساعة استغرقت عملية الفتى محمد التميمي في مستشفى قرب رام الله؛ لاستخراج عيار مطاطي، اخترق جمجمته، واستقر تحت أسفل المخ، وبضع ساعات استغرقت عملية الفتى ليث البرغوثي، الذي اخترقت كرة معدنية عينه اليمنى، وفقأتها وهشمت عظام وجنته.
الاثنان أُصيبا في مواجهات «قرية النبي صالح»، التي أصيب العشرات من أبنائها على مدى السنين الماضية في المواجهات الأسبوعية مع قوات الاحتلال، وأحياناً اليومية.
ثمة شبان أصيبوا بإعاقات دائمة، وثمة شبان استشهدوا في القرية سواء منها أو من القرى المجاورة، الذين ينضمون إلى مسيراتها، آخرهم شهيد شاب من سلفيت، استشهد إبان إضراب الأسرى.
ليس غريباً أن تعمد الصبية اليافعة عهد التميمي إلى طرد الجنود من أمام منزلها مع أمها وقريباتها، وهي التي تعرضت على مدى السنوات السبع الأخيرة إلى سلسلة اعتداءات من جنود الاحتلال، ورأت والدتها تُعتَقلُ، ووالدها في السجن، المؤسف أن بعض الأصوات العربية استخفت بعهد، واعتبرت أن عدم رد الجنود عليها هو موقف أخلاقي «إسرائيلي»!؛ لكن لم يلاحظوا أن وجود التصوير هو من كبح عنف الجنود، وليس لدوافع أخلاقية. «إسرائيل»، التي قنص جنودها إبراهيم أبو ثريا فاقد الساقين على الحدود مع غزة، ادعت أنه جاء مع سبق الإصرار لكي يستشهد، وهو بالتالي من هجم على الرصاصة، وجعلها تصيبه!.
لم تُطلقْ أية رصاصة على جنود الاحتلال حول غزة، ولم تتعرض حياة جند الاحتلال للخطر؛ فالمسافة بين رماة الحجارة وجنود الاحتلال كبيرة؛ ومع ذلك استخدم الاحتلال الرصاص الحي، وأوقع إصابات قاتلة في المتظاهرين سواء في الضفة أو في غزة، مثلما فعل سنة 2000، عندما قرر الاحتلال قمع المسيرات السلمية؛ احتجاجاً على اقتحام شارون للمسجد الأقصى بالرصاص، ونشر قناصة؛ لاصطياد المتظاهرين في محاولة لتحويل المسيرات السلمية إلى العنف المتبادل؛ لأن الاحتلال أراد عسكرة الانتفاضة، وجرها إلى الميدان العسكري المفضل لقمعها بقوة أكبر، وهو ما ركز عليه شارون لاحقاً، وأمر بارتكاب مجازر؛ لحث الفلسطينيين على الرد بمجازر ضد «الإسرائيليين»، ومنحه الرئيس بوش مئة يوم؛ لاستكمال مهمته، مثلما منح الرئيس ترامب مهلة سنة لنتنياهو؛ ليستكمل واجباته الاستيطانية، قبل أن يطرح ما سُمي «صفقة القرن». ف«الإسرائيليون» ليسوا في وارد السلام مطلقاً، وهناك سباق بين أركان اليمين حول من هو الأكثر تطرفاً في برنامجه السياسي. نتنياهو يهرب من الملاحقة بقضايا الفساد؛ بفضل دعم ترامب، ويحقق لـ«الإسرائيليين» أملاً قديماً بالاعتراف بالقدس عاصمة يهودية، والخطوة التالية، الاعتراف ب«إسرائيل» دولة يهودية، بعد أن تمارس واشنطن نفوذها؛ لإجبار دول أخرى على نقل سفاراتها إلى القدس، فيما يتخذ وزير الحرب الصهيوني ليبرمان موقفاً أكثر حدة يتحدث عن التطهير العرقي وطرد «عرب 48»، وفرض حكم تمييز عنصري في الضفة.أما قادة الأحزاب الدينية التي تنتظر «الحل المسيحياني»، أي قدوم المسيح؛ ليقيم دولة اليهود وهيكلها، فهم أكثر وضوحاً ويريدون من العرب أن يكونوا عبيداً لليهود، ومن لا يرغب يتم طرده.
اليمين الصهيوني يعيش عصره الذهبي؛ طالما أنه يتلقى دعماً مادياً ومعنوياً من اليمين الأمريكي في عهد ترامب. أما اليسار الصهيوني، فهو إما أنه ضعيف أو غير مواقفه السياسية؛ ليتماهى مع اليمين، فالجنرال المتقاعد ونائب رئيس جهاز الموساد وقائد المنطقة الشمالية سابقاً عميرام لافين، وهو من قادة المعسكر الصهيوني اليساري، فيهدد بتمزيق الفلسطينيين إرباً إرباً وطردهم إلى شرق الأردن.
فالمواقف المتطرفة هذه هي باكورة المنافسة الانتخابية، فكل متطرف يريد استعراض تطرفه؛ ليكسب أصواتاً طالما أن المجتمع «الإسرائيلي» تحول إلى التطرف في توجهاته، وخرج أحد الذين يخططون لمنافسة نتنياهو على رئاسة الوزراء، وهو حليفه السابق ووزير حربه ايالون ليعلن أنه من قتل خليل الوزير أبو جهاد في تونس سنة 1988، فالكل يتباهى بالقتل والتطرف، ومن قتل عرباً أكثر.. فمنذ قرار ترامب استشهد 15 فلسطينياً، ولم يتساءل الضمير الدولي عن ذلك، ولم يسأل الاحتلال لماذا يستخدم الرصاص ضد العُزّل؟ ولهذا لا يجد الاحتلال غضاضة في الإيغال بالقتل، وممارسة أقسى العقوبات ضد النساء والأطفال، خاصة في القدس؛ حيث اعتبر الاحتلال قرار ترامب تفويضاً بالقتل وتهويداً للمدينة، وشن حملات اعتقال وسرقة السكان؛ بحجة دفع الضرائب، وتلاشت قرارات وزراء الخارجية العرب، و«قمة إسطنبول»؛ لأنها تظل بلا تنفيذ. فهذا وزير يتحدث عن مخطط لبناء 10 آلاف وحدة استيطانية، وآخر يرفع الرقم إلى ثلاثين، وثالث رفعه إلى المليون. والسؤال هو من أين سيؤتى بالمستوطنين لملء مليون شقة؟! فالاستيطان كما هو الآن سياسي، وليس ديموغرافياً؛ لأن أغلب شقق المستوطنات خالية.
وفي هذا الخضم، وصل الإسفاف عند بعضنا إلى درجة الخيانة القومية والدينية، فهذا يقول بقلة أدب، «إن القدس ليست مقدسة إسلامياً، وأن المسجد الأقصى ليس فيها»، وآخرون انضموا إلى تفاهات الجيش الإلكتروني الصهيوني، وبدأوا حرب التغريدات ضد القدس وعروبتها، التي سبقت إسلاميتها، وجاء مثقفون متثاقفون؛ ليقولوا أن جند الاحتلال كانوا لطفاء مع عهد التميمي، ولم يكيلوا لها الصاع صاعين..وهؤلاء لم يتابعوا حكاية النبي صالح؛ لأنهم جهلاء.
خير النساء من ثبتن على الثغور، وكن نداً للرجال، والتميميات نسجن عباءات الكرامة، فمن يريد، فليلتحق بالأرض مع النساء، وهتاف عهد.. اغرب أيها الوجه الغريب، فما تريد؟! (يلا انقلع).. هي في السنين قليلها وفي التصدي لها الكثير. العهد في الميدان والأم والخالات والعمات والأب، فالكل من أجل روح القدس والصخرة.. هيا «انقلع» اغرب أيها الوجه الغريب.

hafezbargo@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى