مقالات عامة

الذي سنشاهده في المتاحف

شيماء المرزوقي

يكتشف علماء الإحاثة والآثار بين وقت وآخر كشوفاً مذهلة من بقايا أمم ماضية لها تاريخ ضارب في عمق الزمن، بمعنى أمم عاشت لقرون متواصلة ثم اندثرت حضارتها. الكشوف التي نسمع ونقرأ عنها التي تتواجد في معظم متاحف دول العالم، لها دلالات هامة عن طبيعة الإنسان وتطلعاته، وأقصد تحديداً شغف الإنسان بترك آثاره وخطواته، وكأنه يقول للأجيال التالية: كنا هنا، مررنا من هنا، ظهر هذا الشغف في عدة صور وأشكال، مثل النحت على الصخور، فكما هو مشاهد في عدد من الكهوف المتفرقة التي اكتشفت وتكتشف حول العالم، نجد نحتاً عن الممارسات اليومية وعن الطرائد التي سعى ذلك الإنسان إلى اصطيادها، فضلاً عن هذا نجد باقياً العمران الذي يدل على أن الإنسان منذ فجر التاريخ كان مغرماً بالجمال والدعة والراحة، وفي اللحظة نفسها نجد ذلك النهم العميق نحو المعرفة التي يسعى نحوها للتميز والارتقاء عن الحيوانات.
ببساطة كان ذلك الإنسان يسعى بجد واجتهاد نحو التطور والتقدم، قد لا تكون هناك خطط واضحة ودقيقة للتطور والتقدم كما هو الآن، لكن في معظم أعماله وتوجهاته كانت تظهر دلالة مثل هذه التوجه، عندما تقف في أحد المتاحف وتشاهد آثار وبقايا الإنسان منذ آلاف الأعوام، في الحقيقة أنت تشاهد الإصرار على البقاء، في الحقيقة أنت تشاهد الخطوات الأولى للتميز والرقي والحضارة، أنت تشاهد اللبنات الرئيسية الأساسية لما نحن عليه اليوم.
الحقيقة الساطعة الواضحة أننا لم نكن لنبلغ كل هذا التقدم لولا تلك الأمم، لولا إنسان تلك الحقبة. زيارة متحف فيه مثل هذه الكنوز العظيمة تجعلنا ننظر لها بعقل وقلب، لأن هذه الآثار يقف خلفها إنسان مضى وتلاشى، وترك لنا هذه البقايا، ليقول لنا إنه تعامل مع هذه الحياة بجدية بالغة وصرامة، ولم يستسلم للهموم والتهديدات، لم يتوقف أمام كل المخاطر التي اعترضت مسيرته وحياته، ولقد كانت فاتورة تعلمه بالغة وثمينة جداً، فقد كان هناك أفراد يدفعون حياتهم مقابل معرفة سلوك لهذا الحيوان المفترس، ليقوم الآخرون في ما بعد بابتكار وسيلة وطريقة تمكنهم من قتل المفترس الذي يهدد وجودهم.
الإنسان الماضي وفي أي بقعة من الأرض له كل إجلال وتقدير، والمتاحف هي جزء من مثل هذا التقدير العظيم. المهم أن نتعلم من سابقينا ومن تجاربهم، تماماً كما تعلموا من الألم وشح المعرفة، والعجز الذي كان يتلبسهم ويؤذيهم.

Shaima.author@hotmail.com
www.shaimaalmarzooqi.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى