مقالات عامة

ما بعد الاحتجاجات اللفظيّة على قرار ترامب

عبد الإله بلقزيز

أن تلجأ السلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية إلى مجلس الأمن؛ للحصول على قرار بعدم شرعية اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لدويلة «إسرائيل» أمر مفيد؛ لكنه غير كاف: كما هو مفيد رفض فرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا، منفردةً، القرار ذاك ولكن – أيضاً – غير كاف. هو مفيد (اللجوء إلى مجلس الأمن)؛ لأن في ذلك نزعاً للشرعية الدولية عن القرار الأمريكي وما يترتب عليه من خطوات إسرائيلية تمس وضعية القدس؛ ولأن موقفاً سياسياً عالمياً، في أعلى محفل دولي، يعزز الموقفين الفلسطيني والعربي ويمنحه الغطاء القانوني الدولي أمر مطلوب ومرغوب، على الرغم من الفيتو الأمريكي .
ومن نافلة القول، إن مورداً كبيراً من موارد القوة، مثل الحق القانوني، مما ينبغي ألّا يقع التفريط به في مثل هذه المعركة السياسة التي فتحتها إدارة ترامب. غير أنه لا يكفي وحده؛ بل ينبغي ألّا يُعول عليه؛ ليس فقط لأن الولايات المتحدة – تملك حق النقض – وتستطيع إسقاط أي قرار يطعن على شرعية موقفها تجاه القدس؛ لكن – أيضاً – لأن مجلس الأمن لم ينفذ، يوماً، أياً من القرارات التي أصدرها حول فلسطين والصراع العربي «الإسرائيلي»؛ منذ قرار التقسيم، في عام 1947، وحتى يوم الناس هذا! وبالتالي لا مناص للسياستين الرسميتين، الفلسطينية والعربية، من سلوك خيارات أخرى وتوسل أدوات أخرى غير خيار اللجوء إلى مجلس الأمن، وتحصيل حقوق لفظية منه.
وأن تعلن السلطة الفلسطينية وجامعة الدول العربية أن الإدارة الأمريكية لم تعد مؤهلةً ل «رعاية» عملية التسوية، نتيجة انحيازها لـ «إسرائيل»، أمر مفيد ولكنه غير كاف؛ هو مفيد؛ لأن في ذلك اعترافاً منها بعبثية التعويل على «راع» يرعى الاحتلال وحده، ويغطي على جرائمه وانتهاكاته؛ ولأن فيها تسليماً بالخطأ المقترف بدخول مسار تسوية منسد ومن غير ضمانات؛ وهو غير كاف إن لم تتولد منه ترجمة سياسية مادية ( غير لفظية) له، من قبيل الخروج الكامل من مسار هذه التسوية الأمريكية ، ووقف التعاون والتنسيق الأمنيين بين أجهزة السلطة الفلسطينية وأجهزة الاحتلال الأمنية والعسكرية. وإذا كان لا بد للفلسطينيين والعرب من مفاوضات وتسوية كما تقول قياداتهم فليعيدوا المطالبة بما كانوا يطالبون به، قبل ثلاثين عاماً؛ عقد مؤتمر دولي للتسوية ترعاه الأمم المتحدة، وينعقد لغرض معلوم من البدء هو: تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ذات الصلة بقضية فلسطين والصراع العربي «الإسرائيلي». ومعنى ذلك، أيضاً، الخروج الكامل من متاهات المسار السياسي الذي فتحه «مؤتمر مدريد»، في عام 1991، وما أعقبه من مسارات فرعية قادت إلى اتفاقات مجحفة مثل «اتفاق أوسلو» (1993) و«اتفاق وادي عربة» (1994).
ومع أن المرء منا علمته تجارب الخيبة المريرة أن السياسة الرسمية الفلسطينية والعربية ليست جاهزة ولا مستعدة، ولا راغبة في، خوض الخيار الوحيد الذي تستعاد به الحقوق، وتنتزع من بين مخالب الوحش اليهودي (نعني خيار المقاومة والحرب)؛ وبما أن هذه السياسة الرسمية أغمدت سلاحها منذ زمن، وأعلنت أن «السلام» خيارها الاستراتيجي الوحيد، فلتضع عجلات ذلك «السلام» على سكة أخرى غير التي تدحرج فوقها إلى النفق المسدود؛ فلتضعه على سكة المؤتمر الدولي ثانية، مستفيدة من تيار التحولات المتدفق الذي قاد، في الخمسة عشر عاماً الأخيرة، إلى تغيرات هائلة في خريطة توزيع القوى على الصعيد الكوني. إذا كان التراجع عن خيار التسوية في نطاق مؤتمر دولي قد حصل، قبل سبعة وعشرين عاماً، كثمرة مرة لانهيار التوازن الدولي بين أعظم قوتين، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراط المعسكر «الاشتراكي»، وميلاد نظام جديد للأوحدية القطبية انفردت فيه الولايات المتحدة، لمدى عقد ونصف العقد بإدارة شؤون العالم على مقتضى الهوى والمشيئة، فإن العودة إلى ذلك الخيار، اليوم، مبناها على التعديلات الملموسة التي طرأت على النظام الدولي ذاك: بتعافي روسيا من كبوتها واستعادتها دورها الفاعل، في أكثر من مكان في العالم؛ وبالصعود المدوي للمارد الصيني الذي أصبح، في سنوات معدودات، ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم؛ ثم بميل «الاتحاد الأوروبي»، تدريجاً، إلى نهج سياسات خارجية مستقلة نسبياً عن السياسة الأمريكية؛ وأخيراً بصعود أقطاب آخرين من بلدان الجنوب والتئامهم في مجموعات دولية مثل «البريكس»… إلخ.
وإذا كانت التحولات المشار إليها قد حجمت النفوذ الإمبراطوري الأمريكي في العالم، وأجبرته على الانكفاء إلى مواقع متواضعة، فإن سياسات الإدارة الأمريكية في أفغانستان والعراق وبعض بلدان ما يُسمى «الربيع العربي»، وآخرها قرار الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة ل«إسرائيل»، تزيد السياسة الأمريكية عزلةً في العالم، وفي منطقتنا، وتفرض ترتيبات جديدة؛ لإدارة الأزمات الدولية وحلها بعيداً من مشهد التفرد الأمريكي بالقرار الدولي؛ ولذلك، فالبيئة الدولية، اليوم، خصبة جداً لاستقبال فكرة من قبيل مؤتمر دولي للتسوية؛ لأن المؤتمر هذا أيضاً وحده يؤمن للروس والصينيين والأوروبيين فرصة العودة إلى أداء أدوار منعتهم الأوحدية القطبية الأمريكية، طويلاً، من أدائها.
لكن العرب لا يملكون أن يطالبوا بعقد مؤتمر دولي، بديلاً من «الرعاية» الأمريكية، وهم مكبلون باتفاقات «سلام» وعلاقات تطبيع، معلنة وغير معلنة، مع الاحتلال!؛ إذ يوحي ذلك إلى العالم وكأنهم يخوضون في «عملية سلام» مع «الإسرائيليين» ! لا بد، إذن، من إنهاء هذه الحالة الشاذة، التي تخرق الإجماع العربي، وتنتهك ميثاق جامعة الدول العربية، من طريق إلغاء سائر العلاقات بدويلة «إسرائيل»؛ بل لا بد من قوانين صريحة من الجامعة العربية ومن الدول منفردة بتجريم التطبيع. لقد ابتدئ في هذا المسعى منذ سنوات قليلة؛ منذ قدمت أربع كتل نيابية كبرى في البرلمان المغربي: (اثنتان من الحكومة واثنتان من المعارضة) مشروع قرار بتجريم التطبيع لإقراره في جلسة عامة (الأمر الذي لم يحصل بعد). وهو عينه المسار الذي أخذته المطالبات الوطنية في تونس، ونأمل أن يتعمم بحيث ننتهي من هذه الفضيحة التي ستبقى وصمة عار علينا جميعاً، وسندفع أثمانها جميعاً أضعاف أضعاف ما دفعناه حتى اليوم.

abbelkeziz@menara.ma

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى