مقالات عامة

خطورة الشفاهة

د. حسن مدن

لا يمكن الاستغناء عن المروي شفوياً، فالكثير من التاريخ غير مدون، وكذلك الكثير من الأدب والأمثال والأهازيج والحكايات، التي لن نعثر على أثر لها في كتاب أو مرجع، وبالتالي، ومن أجل تدوينها، تجب العودة إلى الروايات الشفاهية على ألسنة من يحفظونها.
وحين يتصل الأمر بالتاريخ بالذات، فهناك الكثير من الفواصل التاريخية مصنفة في عداد المسكوت عنه، أو المحظور الاقتراب منها، فلذلك لن تجد إشارة لها في كتب التاريخ، وربما لا نعثر أيضاً حتى على وثائق تتصل بها، فيصبح الملاذ، والحال كذلك، العودة إلى من عاصروا أحداث تلك الفواصل، وربما شاركوا في صنعها، أي إلى رواياتهم الشفوية، علّها تعيننا على تدوين غير المُدون.
معلوم أيضاً أنه في المجتمعات النامية التي ترتفع فيها نسبة الأمية، أو أن عهد التعليم فيها حديث، تكثر مساحة الشفاهة مقارنة بالمُدون، ومن هنا أتى اهتمام المنظمات والمؤسسات الثقافية، بما فيها «اليونيسكو» ذاتها، بالاهتمام بالثقافة الشفهية في هذه المجتمعات، فهي وحدها من تأخذ بأيدينا نحو كنوز الثقافة المجهولة فيها.
غايتنا هنا ليست الوقوف عند هذه الجوانب، وإنما عند أمر آخر يتصل بخطورة الشفاهة في زمن التدوين، حيث يجري تداول أقاويل ومزاعم وخزعبلات، وأحياناً شائعات محكمة الصوغ، ويجري ترويجها على نطاق واسع، باستخدام التدوين نفسه، عبر ما توفره وسائل الاتصال الحديثة من إمكانات واسعة للترويج والنشر السريع.
في كلمات موجزة، يمكن القول إن الكثير مما يجري تداوله في المجالس، والمقاهي، والأندية، وسواها من «أخبار» وأقاويل، هو كذب محض، أو، في أحسن الأحوال، تعوزه الدقة، ولا يغير من الأمر أن تدون هذه الشائعات والأقاويل على «تويتر»، أو «واتس أب»، أو غيرهما من وسائط التواصل الاجتماعي. إنها في جوهرها تبقى شفاهة، لا سند لها لا في كتاب أو مرجع أو مصدر، أو حتى بيان حكومي، أو غير حكومي، ولا سند لها في الواقع نفسه، ولكن انتشارها السريع يجعل منها «حقائق» يصدقها الناس، مع أنها ليست كذلك.
لو وسعنا زاوية النظر قليلاً، لوجدنا أن المشكلة أعمق وأسبق مما يتداول عبر وسائط التواصل، فالكثير مما بات بديهياً يتداوله الناس كمسلّمات لا يأتيها الباطل من يمينها، أو من شمالها، ليست كذلك. ليست بديهيات ولا مسلّمات، ولكن نزعت عليها هذه الصفة بسبب تعاقبها الطويل، فصارت تتوارث من جيل إلى آخر، حتى إنه في بعض الحالات أضفي عليها من القداسة ما ليس لها أساساً.
هنا تكمن خطورة الشفاهة، ودورها التدميري للمجتمعات والأفراد، فالناس لا تقرأ، وبالتالي لا تفكر، وإنما تسمع، والسمع غالباً هو قرين اليقين، أي الناس تأخذ ما تسمعه على علاته، خاصة حين تكون دائرة انتشاره واسعة ومعممة، فلا يخضعه أحد للمساءلة، أو الشك، اللذين سيقودان إلى نقضه.
madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى