مقالات عامة

«أوسلو» يوارى الثرى

د. حسن مدن

بمصادقة «الكنيست «الإسرائيلي» في قراءته الأخيرة على مشروع قانون يضع قيوداً على تسليم أية حكومة «إسرائيلية» الفلسطينيين أجزاء من مدينة القدس في إطار أي اتفاق في المستقبل، يمكن القول إن اتفاق «أوسلو» قد وري الثرى فعلاً، ولا نقول مات، لأنه مات قبل ذلك بكثير، وسواء أعلنت الوفاة أم لم تعلن، فإن ذلك لا يغير شيئاً من الأمر.
مأزق «أوسلو» كان واضحاً منذ البدايات، فحجم الألغام التي تضمنها أكبر من أن يخفى، لكن جرى تجاهل ذلك من قبل القيادة الفلسطينية في نوع من الرهانات الفاشلة، أحدها أن الاتفاق، رغم علاته الواضحة، قد يفتح الباب نحو طريق الحل، ويؤسس أمراً فلسطينياً واقعاً في الضفة الغربية وغزة، بوجود القيادة الفلسطينية المعترف بها دولياً، وثمة رهان آخر جوهره أن المجتمع الدولي، بعد أوسلو وبعد ما أظهرته القيادة الفلسطينية من مرونة ومن نزوع إلى تسوية من نوعٍ ما، لن يخذل الحق الفلسطيني، وسيمارس ما يكفي من الضغوط على دولة الاحتلال كي تنصاع إلى حل الدولتين.
ما حدث معلوم لنا جميعاً، فمثل هذا الحل أخذ ينأى أكثر فأكثر، وتفاقم الوضع مع مجيء نتنياهو، على رأس «الليكود»، إلى السلطة، حيث تمادى في فرض وقائع ميدانية تجعل من حل الدولتين في حكم المستحيل، خاصة عبر سياسة الاستيطان في الضفة الغربية، التي قطعت أوصالها، وجعلت بلداتها محاصرة بجحافل المستوطنين، المحميين بالقوة، ولم تتمكن السلطة الفلسطينية، رغم كل هذه السنوات، في أن تكون «سلطة» فعلية على الأرض التي شملها اتفاق «أوسلو».
مصادقة «الكنيست» على القانون المذكور ليست وليدة الساعة، فهي تتويج لسياسة بعيدة المدى دأبت سلطات الاحتلال على تنفيذها خطوة فخطوة، حتى أزفت اللحظة المناسبة لإعلان ذلك، مستقوية بنهج إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وباللوبي اليهودي الداعم له، حين أعلن اعتبار القدس المحتلة عاصمة لـ« إسرائيل»، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وهو ما تحاشته الإدارات الأمريكية المتعاقبة، قبله، رغم أن العديد منها كان شديد الميل نحو «إسرائيل».
هذا القانون وما سيليه من تدابير على الأرض، ومن تشريعات تقنن مفاعليه، وما سينجم عن هذه المفاعيل ذاتها من وقائع تعني أن «أوسلو» قد وري الثرى فعلاً، وآن أوان أن تبادر القيادة الفلسطينية إلى مغادرة أي أوهام متبقية حول تسوية منتظرة، فدولة الاحتلال نفسها حررت نفسها من أي التزام تجاه أي تسوية، حتى لو كانت مهينة وجائرة.
نموذج الصبية الشجاعة، التي باتت أسيرة، عهد التميمي في التعاطي مع المحتل، يؤكد أن الشعب الفلسطيني البطل عازم وقادر على المضي في الطريق الصحيح لنيل الحقوق، والناقص هو القيادة القادرة على تبني هذا الخيار بما يلزم ذلك من شجاعة وتفانٍ وثقة في قدرة شعب فلسطين على انتزاع النصر، هو الذي لم تهن إرادته يوماً.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى